أوروبا تستيقظ على تهديدات ترامب: قراءة في تحولات التحالفات الدولية والأمن القومي

أوروبا تستيقظ على تهديدات ترامب: قراءة في تحولات التحالفات الدولية والأمن القومي

أوروبا في مواجهة الحقيقة: هل انتهى عصر الحليف الموثوق؟

باتت العواصم الأوروبية تعيش حالة من الاستنفار السياسي غير المسبوق، حيث تشير تقارير صحفية دولية إلى أن القارة العجوز بدأت تستيقظ أخيراً على واقع جديد تفرضه تهديدات ترامب المستمرة. ففي مقال نشرته صحيفة “فاينانشيال تايمز” البريطانية، رصدت الكاتبة سيلفي كوفمان تحولاً جذرياً في الموقف الأوروبي تجاه واشنطن، واصفة الحالة الراهنة بأنها مواجهة مباشرة مع ما اعتبرته “خيانة الحليف”.

وتوضح التحليلات أن تقليل دونالد ترامب من شأن القوات الأوروبية التي قاتلت بجانب الولايات المتحدة لعقدين في أفغانستان، لم يعد مجرد تصريحات عابرة، بل بات يُنظر إليه كاستراتيجية تهدف إلى تقويض الهوية الأوروبية من الداخل. وفي ظل الضغوط الروسية المتصاعدة من الشرق وتنامي النفوذ الصيني، تجد أوروبا نفسها مضطرة لإعادة تعريف أمنها القومي بعيداً عن المظلة الأمريكية التقليدية التي كانت تعتبر يوماً ما “دعامة حميدة” للنظام الدولي.

إرث أفغانستان: بين نفاق الانتقادات وإخفاقات الناتو

من زاوية أخرى، يبرز جدل واسع حول جدوى الغضب الأوروبي من تصريحات ترامب المتعلقة بحلف شمال الأطلسي (الناتو). ففي صحيفة “تلغراف”، يرى الكاتب جيمس جيفري أن ردود الفعل الغاضبة تجاه وصف ترامب لمساهمات الحلفاء بالضعيفة تنطوي على قدر من النفاق. ويشير جيفري إلى أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في كلمات ترامب المتهورة، بل في الإخفاقات الهيكلية التي شهدتها المهمة العسكرية في أفغانستان.

ويرى المحللون أن المؤسسات السياسية والعسكرية في بريطانيا وأوروبا تتجنب مواجهة الحقائق المرة حول نقص الموارد وسوء الإدارة العسكرية التي أدت إلى انسحاب كارثي. فبدلاً من التركيز على “الإهانة” اللفظية، يدعو الخبراء إلى دراسة حدود قدرات القوى الأوروبية والاعتراف بأن التحالف عبر الأطلسي يواجه أزمة ثقة عميقة، ربما تكون الأسوأ في تاريخه منذ الحرب العالمية الثانية.

الأمن القومي الأمريكي على المحك: مخاطر الانسحاب من منظمة الصحة العالمية

لا تتوقف تهديدات ترامب عند حدود القارة الأوروبية، بل تمتد لتطال مؤسسات العمل الدولي المشترك، وعلى رأسها منظمة الصحة العالمية. وفي مقال نشرته صحيفة “واشنطن بوست”، حذر الكاتب سام حلبي من أن قرار الانسحاب المنفرد من المنظمة يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الأمريكي. فسلامة المواطن الأمريكي، سواء في الداخل أو عند السفر والتجارة، تعتمد بشكل أساسي على تبادل البيانات العلمية والترصد الوبائي العالمي الذي تقوده المنظمة.

ورغم الانتقادات المشروعة الموجهة للمنظمة بشأن شفافيتها وتعاملها مع ضغوط بكين إبان جائحة كوفيد-19، إلا أن الخبراء يؤكدون عدم وجود بديل حقيقي قادر على تنسيق الاستجابة العالمية للأوبئة. إن سياسة “أمريكا أولاً” في مجال الصحة العالمية قد تؤدي، حسب التحليلات، إلى عزل الولايات المتحدة عن شبكة البيانات الحيوية، مما يجعلها أكثر عرضة للتهديدات الصحية المستقبلية.

نحو عالم جديد: أوروبا تبحث عن شجاعة القوة

تخلص القراءات الصحفية إلى أن العالم يقف أمام مفترق طرق تاريخي؛ فبينما تحولت القوة الأمريكية المهيمنة في نظر حلفائها إلى قوة “متنمرة”، بدأت أوروبا تدرك أن الركون إلى الاطمئنان لم يعد خياراً مطروحاً. إن مواجهة تهديدات ترامب تتطلب من الأوروبيين ليس فقط تعزيز قدراتهم العسكرية، بل امتلاك الشجاعة السياسية لبناء تحالفات وصداقات جديدة تضمن استقلاليتهم وقدرتهم على حماية قيمهم الليبرالية ووحدة أراضيهم في عالم تزداد فيه حدة الصراعات الجيوسياسية.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *