# أسرار شهر شعبان: لماذا يغفل الناس عن شهر رفع الأعمال؟
مقدمة: طبيعة النفس بين اليقظة والذهول
لا تخطئ عين الناظر المتأمل في نصوص الشرع الشريف، تلك اللطائف الربانية التي تحتفي احتفاءً شديداً بإحياء العبادة في أوقات الغفلة. إن المتدبر في فلسفة التشريع يدرك أن النفس البشرية، بطبعها وجبلتها، تميل إلى التعلق بما له بريق وزهوة، وتنجذب نحو المواسم المشهودة التي يضج فيها الناس بالعبادة. ولكن، يأتي الشرع الحكيم بميزان مغاير، ميزان يهدف إلى إيقاظ هذه النفس من رقدتها، وتنبيهها من غفلاتها المستمرة التي تفرضها طبيعة الحياة الدنيا.
إن هذا الميزان الإلهي قد رتب أجوراً عظيمة، ومقامات سنية لمن يستطيع أن يفصل نفسه عن القطيع الغافل، ليخلو بربه في وقت انشغل فيه الناس بالدنيا أو استسلموا فيه للراحة. وهكذا يكون هجيراء المقربين ودأب الصالحين؛ أولئك الذين يحرصون على قلوبهم أشد الحرص في أوقات الغفلات، مدركين أن القيمة الحقيقية للعبودية تظهر حين يغيب المحفز الخارجي ويبقى المحرك الإيماني الداخلي وحده.
فلسفة العبادة في أوقات الغفلة وعظيم أجرها
إن التحنث والتعبد في تلك الأوقات التي يغفل فيها الناس هو من مظنون كثرة الثواب وعظم الجزاء عند الله عز وجل. ولنا في هدي النبي ﷺ الأسوة الحسنة، وفي توجيهاته النبراس الذي يضيء لنا عتمة الطريق. ألم تر أن العبادة في الهرج -وهو وقت اختلاط أمور الناس وكثرة الفتن واضطراب الأحوال- قد جعلها الشارع الحكيم في منزلة رفيعة جداً؟
لقد قال الصادق المصدوق ﷺ: «العبادة في الهرج بمثابة الهجرة لرسول الله». تأمل في هذا الربط العجيب؛ فالهجرة كانت خروجاً من دار الكفر إلى دار الإسلام، مفارقة للأهل والمال والوطن في سبيل الله، فجعل النبي ﷺ من يستمسك بعبادته حين يضطرب الناس وتختلط أمورهم كمن هاجر إليه ﷺ. والسر في ذلك يكمن في أن القلب في وقت الفتن والغفلات يكون غريباً، والمتمسك بطاعة الله يكون كالقابض على الجمر، فاستحق ذلك الأجر والمقام.
شهر شعبان: الجسر المنسي بين رجب ورمضان
إذا كان هذا هو حال العبادة في أوقات الفتن، فما بالك بشهر مبارك ترفع فيه الأعمال إلى الله؟ نحن نتحدث عن شهر شعبان، ذلك الشهر الذي يقع في منطقة زمنية حرجة بين شهر رجب الحرام وبين شهر رمضان المبارك.
لقد كان الصحابة الكرام يراقبون هدي النبي ﷺ بدقة، ومن ذلك ما لاحظه الصحابي الجليل أسامة بن زيد رضي الله عنهما، حين رأى كثرة صيام النبي ﷺ في هذا الشهر. سأل أسامة النبي ﷺ عن هذا السر، فقال: “ولم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان”.
وهنا جاء الجواب النبوي الذي يضع يدنا على الجرح التربوي والروحي: «ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين».
في هذه الكلمات النبوية إشارة إلى علتين عظيمتين لفضل هذا الشهر:
1. الغفلة العامة: لأن الناس ينشغلون بتعظيم رجب قبله، أو يستعدون لرمضان بعده، فيسقط شعبان من حساباتهم الاهتمامية.
2. رفع الأعمال: وهي اللحظة الختامية للتقرير السنوي لأعمال العبد، فأراد النبي ﷺ أن يرفع عمله وهو في حالة من الطاعة والذكر والصيام.
شعبان شهر القراء: منهج السلف في الاستعداد
بناءً على هذا الفهم العميق، عرف السلف الصالح قيمة هذا الوقت، فأطلقوا على شهر شعبان تسمية “شهر القراء”. لم تكن هذه التسمية مجرد لقب تشريفي، بل كانت انعكاساً لواقع عملي يعيشونه في بيوتهم ومساجدهم.
لقد كان السلف يحرصون على كثرة قراءة القرآن الكريم في شعبان، وذلك لسببين رئيسيين:
- أولاً: الاستعداد النفسي والبدني والروحي لدخول شهر رمضان المبارك، فمن لم يتدرب على طول القيام وكثرة القراءة في شعبان، سيجد مشقة في ملاحقة ركب العابدين في رمضان.
- ثانياً: استثمار أوقات الغفلات، فبينما ينشغل الناس بأمور معاشهم وتجاراتهم قبل دخول الموسم الأكبر، كان الصالحون يفرون إلى المصاحف، يطهرون قلوبهم بكلام الله لتكون أوعية صالحة لاستقبال أنوار رمضان.
إن استثمار وقت الغفلة هو الذي يصنع الفرق بين العابد العادي وبين “المقربين” الذين لا يغفلون عن حراسة قلوبهم حين تنام العيون عن ذكر الله.
أثر العباد في دفع البلاء عن الأمة
إن وجود هذه الفئة المؤمنة التي تحيي أوقات الغفلة ليس مجرد نفع ذاتي يعود على أصحابها، بل هو صمام أمان للأمة جمعاء. فبهذه الفئة يُرفع العذاب ويُدفع البلاء في كل موطن غفلة، وفي كل باب من أبواب الشرع يزهد فيه الناس أو ينسونه.
لقد عبر أبو الدرداء رضي الله عنه عن هذه الحقيقة الكونية والإيمانية بقوله البليغ: “لولا أن الله عز وجل يدفع بمن يحضر المساجد عمن لا يحضرها وبالغزاة عمن لا يغزو لجاءهم العذاب قُبُلاً”.
هذا يعني أن صيامك في شعبان، وقراءتك للقرآن في الوقت الذي يلهو فيه الناس، وذكرك لله في خلوتك، قد يكون هو السبب الحقيقي في دفع مكروه عن بلدك أو رفع بلاء عن أهلك. إنهم “الخبيئة” التي يحفظ الله بها الأرض، وهم الذين يوقظون في الأمة روح اليقظة حين يسودها الخمول.
نداء إلى القلب: ولا تكن من الغافلين
يا باغي الخير، إن شهر شعبان يناديك، والفرصة لا تزال قائمة لتلحق بركب المقربين. احرص على قلبك ونفسك، ولا تجعل الموسم يمر بك وأنت في غمرة اللاهين. تذكر أن الأعمال ترفع الآن، فماذا تحب أن يرى الله في صحيفتك؟ هل تحب أن يراها خالية من الصيام والقيام، أم عامرة بالذكر والاستغفار؟
اجعل شعارك في هذا الشهر قول الله عز وجل: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ}.
إن الذكر في النفس، والتضرع في الخفاء، والحرص على الطاعة في الغدو والآصال (أول النهار وآخره)، هي الأسلحة التي تحميك من داء الغفلة الفتاك. لا تكن ممن تخدعهم كثرة الغافلين، بل كن ممن يستوحشون من طريق الضلال وإن كثر سالكوه، ويستأنسون بطريق الحق وإن قل تابعوه.
الخاتمة: شعبان فرصة للتغيير
إن شهر شعبان هو بمثابة التدريب النهائي قبل المعركة الكبرى مع النفس في رمضان. هو الشهر الذي تسقى فيه البذور لتثمر في الشهر الكريم. فمن لم يزرع في شعبان، ولم يسقِ زرعه بدموع التوبة وقراءة القرآن، كيف يرجو أن يحصد في رمضان حلاوة المناجاة ولذة القبول؟
استثمر ما بقي من أيام هذا الشهر المبارك، وجدد العهد مع الله، واجعل من غفلة الناس منبهاً لقلبك، ومن رفع الأعمال دافعاً لهمتك. فالسعيد من اغتنم الأوقات، والمحروم من مرت عليه مواسم الرحمة وهو عنها ساهٍ لاهٍ. نسأل الله أن يبارك لنا في شعبان، ويبلغنا رمضان، ويجعلنا فيه من المقبولين.

اترك تعليقاً