زلزال في الناتو: هل تنهي أزمة غرينلاند الخلافات الأمريكية الأوروبية وتفكك النظام العالمي؟

زلزال في الناتو: هل تنهي أزمة غرينلاند الخلافات الأمريكية الأوروبية وتفكك النظام العالمي؟

صراع السيادة والتعريفات: كيف أعادت أزمة غرينلاند رسم الخلافات الأمريكية الأوروبية؟

شهد مطلع عام 2026 تحولاً دراماتيكياً في طبيعة الخلافات الأمريكية الأوروبية، حيث انتقلت من مجرد تباينات تجارية ودفاعية معتادة إلى مواجهة علنية حول "مفهوم السيادة". لم تعد الأزمة تتعلق فقط بالإنفاق العسكري أو الحرب في أوكرانيا، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمتانة الحلف الأطلسي أمام طموحات واشنطن التوسعية.

غرينلاند: من جزيرة متجمدة إلى فتيل أزمة دولية

فجّر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب موجة غضب عارمة برغبته في ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدانمارك. ولم يقتصر الأمر على العرض السياسي، بل اقترن بضغوط اقتصادية خشنة شملت تهديدات بفرض رسوم جرافيكية، تحت ذريعة أمنية مفادها أن واشنطن هي الحامي الوحيد للجزيرة ضد التغلغل الصيني والروسي.

هذا التوجه وضع أوروبا أمام سؤال وجودي: هل لا يزال التحالف الأطلسي يقوم على احترام سيادة الحلفاء، أم تحول إلى علاقة "تابع ومتبوع" تفرض فيها الإملاءات تحت شعارات الردع؟

مستويات التصعيد: السيادة، الاقتصاد، والأمن

يمكن تلخيص أبعاد هذه الأزمة في ثلاثة مستويات رئيسية:

  1. مستوى السيادة: جاء الرد الأوروبي حازماً باعتبار وحدة أراضي الدانمارك خطاً أحمر غير قابل للتفاوض. واعتبرت بروكسل أن طرح فكرة الضم القسري يعطل القانون الدولي ويقوض معايير احترام الحدود.
  2. المستوى الاقتصادي: استخدمت واشنطن "سلاح التعريفات" لابتزاز الحلفاء سياسياً، مما دفع الاتحاد الأوروبي لتفعيل أدوات "مكافحة الإكراه" لحماية أمنه الاقتصادي الذي بات جزءاً لا يتجزأ من أمنه القومي.
  3. المستوى الأمني (الناتو): تحولت غرينلاند من موقع استراتيجي للإنذار المبكر إلى أزمة ثقة داخل الحلف. فكيف يمكن لواشنطن مطالبة الحلفاء بالتماسك ضد روسيا بينما تهدد سيادة أحدهم؟

منتدى دافوس 2026: نعي النظام الدولي القائم على القواعد

في قلب هذه العاصفة، برز خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس كتشخيص لنهاية حقبة. أشار كارني بوضوح إلى أن "النظام القائم على القواعد قد انتهى"، محذراً من تحول التجارة إلى سلاح وتسييس سلاسل الإمداد.

أبرز رسائل كارني في دافوس:

  • رفض استخدام التعريفات الأمريكية كأداة لضم الأراضي.
  • التأكيد على أن أمن القطب الشمالي يجب أن يدار بالدبلوماسية لا بالإكراه.
  • دعوة "القوى المتوسطة" للعمل الجماعي لحماية سيادتها، لأن من لا يجلس على الطاولة سيكون على قائمة الطعام.

الاستقلال الاستراتيجي: أوروبا تبحث عن بدائل

أدت هذه الضغوط إلى تسريع وتيرة النقاش الأوروبي حول "الاستقلال الاستراتيجي". حتى في حال تراجع التصعيد، فإن الضرر الذي أصاب جدار الثقة دفع أوروبا للبحث عن تحصين نفسها في ملفات الطاقة، الدفاع، وسلاسل الإمداد، بعد أن اكتشفت أن التهديد قد يأتي من الحليف قبل الخصم.

ازدواجية المعايير: بين غرينلاند وغزة

لا يمكن قراءة الدفاع المستميت عن القواعد الدولية في أزمة غرينلاند دون الاصطدام بحقيقة غياب هذه القواعد في مناطق أخرى. فبينما ينتفض الزعماء الأوروبيون لحماية سيادة جزيرة، يغضون الطرف عن استباحة القانون الدولي وجرائم الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال في غزة وفلسطين بدعم أمريكي.

إن صيانة القانون الدولي لا تجزأ؛ فإما أن يكون مظلة تحمي الجميع، أو يتحول إلى أداة انتقائية تسحق الضعفاء وتخدم الأقوياء فقط، وهو ما يضع مصداقية الغرب برمتها على المحك.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *