مقدمة: بوابة الخلود وفلسفة العبور
ليس الموت في الرؤية الإسلامية فناءً محضاً، بل هو انتقال من ضيق القفص المادي إلى سعة الفضاء الملكوتي، هو ميلادٌ ثانٍ للروح حين تتحرر من قيود الطين لتشرع في رسم خرائط الوجد السرمدي. إننا أمام رحلة لا تنتهي بالموت، بل تبدأ فيه، حيث يتجلى مفهوم ‘الاستئناس البرزخي’ كحالة من السكينة الروحية التي تسبق اللقاء الأكبر، وتتهيأ فيها الروح لسكنى ‘مقعد الصدق’ الذي وعد الله به المتقين في قوله تعالى: (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) [القمر: 55].
أولاً: فلسفة الاستئناس البرزخي.. حين يصير العمل أنيساً
في ظلمات القبر، تتلاشى كل المؤنسات الأرضية؛ يرحل الأهل، وينقطع المال، ويبقى العبد رهين ما قدم. هنا تبدأ فلسفة الاستئناس البرزخي، وهي عملية تحول المجرّدات (الأعمال الصالحة) إلى كينونات روحية تؤنس وحشة الغريب. يخبرنا النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن حال المؤمن في قبره: ‘يأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك، هذا يومك الذي كنت توعد، فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه يجيء بالخير، فيقول: أنا عملك الصالح’.
إن هذا ‘الاستئناس’ ليس مجرد صورة ذهنية، بل هو حقيقة برزخية تبرهن على أن الجمال في الآخرة هو انعكاس للجمال القلبي في الدنيا. فمن استأنس بالله في دنياه، استأنس الله به في قبره، ومن جعل من صلاته وقرآنه ربيعاً لقلبه، جعلها الله ضياءً لضريحه. يقول تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ) [إبراهيم: 27].
ثانياً: هندسة الجمال في مقعد الصدق
عندما نتحدث عن ‘مقعد الصدق’، فنحن نتحدث عن أرقى درجات الهندسة الإلهية للجمال. ‘المقعد’ يوحي بالاستقرار والطمأنينة، و’الصدق’ هو وصف للمكان بأنه حق لا باطل فيه، وبأن ساكنيه هم أهل الصدق مع الله. إنها هندسة لا تقوم على الحجر والرخام، بل على ‘نور الأعمال’ و’صدق النيات’.
تتجلى ملامح هذا الجمال في عدة مستويات:
- جمال الجوار: وهو القرب من (مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)، حيث يتلاشى كل خوف ويتحقق الأمان المطلق.
- جمال الرؤية: حيث تتكحل الأعين برؤية وجه الله الكريم، وهو أعلى مراتب الوجد والجمال.
- جمال الاستقرار: في مكان لا زوال فيه ولا كدر، حيث الصدق هو اللغة والجمال هو المناخ.
لقد أراد الله لنا أن نشتاق لهذا المقعد، فجعل الطريق إليه يمر بـ ‘صدق المقال’ و’إخلاص الفعال’، فمن هندس حياته على الصدق، بوأه الله مقعد الصدق.
ثالثاً: الوجد السرمدي ومقامات القرب
الوجد في اللغة هو شدة الحب، والسرمدي هو الدائم الذي لا ينقطع. في رحلة الروح نحو بارئها، تمر بمقامات من الشوق تبلغ ذروتها في تلك اللحظة التي يُفتح فيها باب من الجنة إلى القبر، فيشم العبد ريحها ويأتيه من طيبها. هذا الوجد هو المحرك الأساسي للعابد في دنياه؛ فهو لا يعبد الله خوفاً فحسب، بل وجداً وحباً وشوقاً لتلك اللحظة البرزخية التي ينكشف فيها الغطاء.
يقول ابن القيم رحمه الله: ‘في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله، وفيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس به في خلوته’. هذا الأنس هو البذرة التي تثمر خرائط الوجد في عالم البرزخ. فالحياة الحقيقية هي حياة الروح، والجمال الحقيقي هو ما استقر في ‘مقعد الصدق’.
رابعاً: كيف نرسم خرائطنا نحو مقعد الصدق؟
إن الوصول إلى تلك المقامات الرفيعة يتطلب هندسة واعية للحياة الدنيا، ومن أهم معالم هذه الخريطة:
- تعهد القلب بالإخلاص: فالصدق في الباطن هو الذي يشيد ‘مقعد الصدق’ في الآخرة.
- دوام الاستئناس بالذكر: ليكون الذكر هو الأنيس الذي يرافق الروح في رحلتها البرزخية.
- إحسان العمل: فكل فعل جميل تقوم به اليوم هو ‘مهندس’ لمكانك في الغد.
- ترقب اللقاء بشوق: كما قال النبي ﷺ: ‘من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه’.
خاتمة: نحو رؤية روحانية للحياة والموت
إن ‘خرائط الوجد السرمدي’ ليست مجرد تأملات فلسفية، بل هي منهج حياة يدفع المؤمن ليرى فيما وراء المادة. إن الاستئناس البرزخي هو الجائزة الكبرى لمن عاش في الدنيا غريباً أو عابر سبيل، ولكنه كان مع الله في كل خلجة ونبضة. إننا حين ندرك عمق الجمال الذي ينتظرنا في (مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ)، تهون علينا مشاق الطريق، وتتحول الابتلاءات إلى منح تقربنا من ذلك الأفق النوراني.
فلنعمل على تأثيث بيوتنا البرزخية بنور الطاعات، ولنهندس مقاعدنا في الآخرة بصدق النوايا، سائلين المولى عز وجل أن يجعلنا ممن يستأنسون بذكره في الدنيا، وبقربه في البرزخ، وبوجهه الكريم في جنات النعيم. (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا) [النساء: 69].

اترك تعليقاً