مقدمة: فلسفة الاستشفاء بين طين الأرض ونفخة الروح
في رحابِ الشريعةِ الغرّاء، لا ينفصلُ الجسدُ عن رُوحِه، ولا تنفصلُ المادةُ عن سِرِّ باريها. إنَّ المتأملَ في مدرسةِ الطبِّ النبويِّ يدركُ أنها ليست مجردَ وصفاتٍ ماديةٍ عابرة، بل هي منظومةٌ سيميائيةٌ متكاملة تجمعُ بين طهارةِ الأرضِ وبركةِ الإنسانِ ويقينِ القلبِ بخالقه. ومن أعمقِ تجلياتِ هذه المنظومةِ ذلك الهديُ النبويُّ العجيبُ الذي جمعَ فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين عنصرينِ من أصلِ الخلقةِ الإنسانية: التُّراب والريق، ليجعلَ منهما ترياقاً لبعضِ العللِ والأسقام.
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ) [المؤمنون: 12]، ومن هذا المنطلقِ الوجودي، نجدُ أن العودةَ إلى التربةِ في التداوي ليست مجردَ فعلٍ بدائي، بل هي عودةٌ إلى الأصلِ والمنشأ، واستنطاقٌ لخصائصِ الأرضِ المودعةِ فيها بأمرِ الله.
تأصيل الحديث الشريف: مدرسة الشفاء النبوي
لقد أرشدنا المعلمُ الأولُ صلى الله عليه وسلم إلى كيفيةِ التعاملِ مع الجراحِ والبثورِ والآلامِ الموضعيةِ بطريقةٍ تفيضُ بالروحانيةِ والسكينة. فعن عائشةَ رضي الله عنها، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقولُ للمريض: «بِاسْمِ اللَّهِ، تُرْبَةُ أَرْضِنَا، بِرِيقةِ بَعْضِنَا، يُشْفَى سَقِيمُنَا، بِإِذْنِ رَبِّنَا» (رواه البخاري ومسلم).
هذا الحديثُ العظيمُ يمثلُ قاعدةً ذهبيةً في “الرقيةِ الموضعية”؛ حيث يضعُ الراقي سبابتَه على الأرضِ ليعلقَ بها شيءٌ من الترابِ بعد تبليلها بريقه، ثم يمسحُ بها على مكانِ الألمِ أو الجرح. إنها عمليةٌ تمزجُ بين الذكرِ (باسم الله)، والمادةِ الأرضية (تربة أرضنا)، والمادةِ البشرية (ريقة بعضنا)، لتكونَ النتيجةُ (يشفى سقيمنا) بشرطِ التوحيد (بإذن ربنا).
البعد الروحي والسيميائي: عودة الفرع إلى الأصل
تتجلى سيمياءُ التداوي بالتربةِ في استحضارِ حقيقةِ الإنسانِ الضعيفِ الذي خُلِقَ من تراب. فعندما يضعُ المريضُ أو الراقي التربةَ على مكانِ الوجع، فكأنما يُذكرُ الجسدَ بأصله، ويستمدُ من الأرضِ سكونَها وثباتَها وبركتَها. التربةُ في المفهومِ الإسلاميِّ طاهرةٌ ومطهرة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «وجُعِلت لي الأرضُ مسجداً وطهوراً».
إنَّ استخدامَ كلمةِ (أرضنا) في الحديثِ تشيرُ إلى البركةِ العامةِ في جنسِ الأرض، وقيل هي إشارةٌ إلى بركةِ أرضِ المدينة، لكنَّ المحققينَ من العلماءِ يرونَ أنها عامةٌ في كلِّ تربةٍ طيبةٍ طاهرة. أما (ريقة بعضنا)، فهي تفعيلٌ لبركةِ المؤمن، فالريقُ يحملُ أنفاسَ الذاكرينَ وتضرعَ الموحدين، مما يضفي صبغةً قدسيةً على هذا المزيجِ البسيطِ في مظهره، العميقِ في أثره.
الأبعاد البيولوجية: قراءة معاصرة في أسرار الريق والتراب
رغم أن الشفاءَ في الطبِّ النبويِّ يعتمدُ بالدرجةِ الأولى على الإيمانِ والبركة، إلا أنَّ العلمَ الحديثَ يكشفُ يوماً بعد يومٍ عن حِكمٍ ماديةٍ تدعمُ هذا الهدي. فاللعابُ البشريُّ ليس مجردَ سائلٍ هاضم، بل هو خطُ الدفاعِ الأول، إذ يحتوي على إنزيماتٍ مثل (الليسين) وموادَّ مضادةٍ للجراثيم، كما يحتوي على بروتيناتٍ تساعدُ في سرعةِ التئامِ الأنسجة.
أما التربة، فقد أثبتتِ الدراساتُ الجيولوجيةُ والبيولوجيةُ احتواءَ أنواعٍ معينةٍ من الأتربةِ على مضاداتٍ حيويةٍ طبيعيةٍ تنتجُها بكتيريا نافعة تعيشُ في الطين (مثل بكتيريا Streptomyces). كما أنَّ للترابِ خاصيةً مذهلةً في امتصاصِ السمومِ وتبريدِ الالتهاباتِ وامتصاصِ الرطوبةِ الزائدةِ من القروح. وحين يجتمعُ الريقُ بإنزيماته المطهرة، مع التربةِ بمعادنها ومكوناتها الماصّة، يتشكلُ غشاءٌ واقٍ يساعدُ على تعقيمِ الجرحِ وتجديدِ خلاياه، وكلُّ ذلك يُتوجُ بالبركةِ الإلهيةِ واليقينِ القلبي.
منظومة الشفاء النبوي الموضعي: تكامل المادة واليقين
إنَّ الشفاءَ في المنظورِ النبويِّ ليسَ ميكانيكياً جامداً، بل هو استجابةٌ إيمانية. ولتحقيقِ أقصى استفادةٍ من هذا العلاجِ النبوي، لا بدَّ من توفرِ شروطٍ ثلاثة:
- اليقين التام: أن يوقنَ العبدُ أنَّ الشفاءَ بيدِ الله وحده، وأنَّ التربةَ والريقَ ما هما إلا أسبابٌ تعبدية.
- الذكر والمناجاة: الاستفتاحُ بـ (باسم الله) واستشعارُ معاني الربوبيةِ والقدرة.
- الطيب والطهادة: اختيارُ التربةِ الطيبةِ البعيدةِ عن النجاساتِ والأقذار.
هذا النمطُ من التداوي يكرسُ مفهومَ “الطبِّ الشمولي” الذي لا يغفلُ الجانبَ النفسيَّ والروحي، فالمريضُ حين يشعرُ بصلته المباشرةِ بخالقه عبرَ ذراتِ الترابِ التي خُلِقَ منها، تنبعثُ في نفسه طاقةٌ إيجابيةٌ تعززُ جهازَ المناعةِ وتسرعُ من عمليةِ الاستشفاء.
الاستنتاج: نحو رؤية وسطية للتداوي
في ختامِ هذا الطوافِ في سيمياءِ التداوي بالتربة، نؤكدُ أنَّ الإسلامَ لم يأتِ ليلغيَ العقلَ أو يعطلَ الأسباب، بل جاءَ ليؤطرَ المادةَ بالإيمان. إنَّ حديثَ (تربةُ أرضنا) هو دعوةٌ للتصالحِ مع الطبيعة، واستردادِ الثقةِ في البساطةِ النبويةِ التي لا تضادُّ الحقائقَ العلمية، بل تسبقُها بآفاقٍ روحانيةٍ رحبة.
إننا مدعوون اليومَ كمسلمينَ إلى إحياءِ هذه السننِ بوعيٍ وفهم، بعيداً عن الغلوِّ أو الجفاء. فالتداوي بالتربةِ والريقِ هو نموذجٌ مثاليٌّ لكيفيةِ تحويلِ العناصرِ الطينيةِ إلى جسورٍ نورانيةٍ تصلُ العبدَ بخالقه في أحلكِ لحظاتِ الألم. يقولُ الحقُّ سبحانه: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [الإسراء: 82]، والطبُّ النبويُّ هو شقيقُ القرآنِ في الهدايةِ والاستشفاء، وكلاهما نورٌ من مشكاةٍ واحدة.
فليكنْ يقينُنا بالله أعظمَ من علقِنا بالأسباب، ولنستشعرْ في كلِّ رقيةٍ وذكرٍ فضلَ الله الواسع، الذي جعلَ لنا من ترابِ الأرضِ دواءً، ومن ريقِ المحبينَ شفاءً، ومن ذكرهِ حياةً للقلوبِ والأبدان.

اترك تعليقاً