مقدمة: الأزمة الصامتة في عالم الثدييات الصغيرة
بينما تتصدر أخبار تراجع أعداد الباندا والأسود العناوين العالمية، تتكشف في الخفاء أزمة أكثر عمقاً وتأثيراً على النظم البيئية: الاختفاء المتسارع للثدييات الصغيرة. تلعب هذه الكائنات الضئيلة أدواراً محورية في الحفاظ على التوازن البيئي، وتُعد مؤشرات حساسة للغاية لصحة الكوكب. ومع ذلك، واجه العلماء طويلاً تحدياً جسيماً في مراقبتها؛ فكثير منها ينتمي لما يُعرف بـ “الأنواع الخفية” (Cryptic Species)، وهي كائنات تتطابق في مظهرها الخارجي تماماً رغم اختلاف أدوارها البيئية وخصائصها الجينية.
اليوم، يبرز بصيص أمل جديد من خلال بحث نُشر في دورية Frontiers in Ecology and Evolution، حيث طور فريق دولي من الباحثين وسيلة مبتكرة لتحديد هذه الأنواع ومراقبتها عبر تحليل بصمات أقدامها بدقة مذهلة، مما يوفر أداة اقتصادية وغير جراحية لرصد “نبض الكوكب”.
المنهجية: تحويل الآثار الطينية إلى بيانات رقمية
تركزت الدراسة التي قادتها الدكتورة زوي جيويل، من مدرسة نيكولاس للبيئة بجامعة ديوك، على نوعين من زبابة الفيل (Sengi) يصعب التمييز بينهما ظاهرياً: زبابة فيل الصخور الشرقية وزبابة فيل الأدغال. ورغم التشابه الشكلي، إلا أن لكل منهما موئلاً مختلفاً؛ فأحدهما يفضل البيئات الصخرية بينما يستوطن الآخر المناطق الرملية.
اعتمد الباحثون في عملهم الميداني بجنوب أفريقيا على استراتيجية مبتكرة لجمع البيانات:
- الاستدراج الآمن: تم استخدام فخاخ مصممة خصيصاً تحتوي على مزيج من الشوفان وزبدة الفول السوداني ومادة “المارميت” لجذب الحيوانات دون إيذائها.
- جمع البصمات: وُضعت الحيوانات في صندوق مجهز بورق خاص ومسحوق الفحم، حيث تركت بصمات أقدامها أثناء حركتها الطبيعية قبل إطلاق سراحها في مواقع صيدها الأصلية.
- التحليل المورفومتري: تم استخدام برامج متقدمة لقياس الخصائص الشكلية للبصمات، مع التركيز على الأقدام الأمامية التي أظهرت ميزات أكثر وضوحاً. ومن بين أكثر من 100 قياس محتمل، تم استخلاص 9 سمات جوهرية تمكن النموذج الحاسوبي من التعرف عليها.
الأهمية العلمية: دقة تتجاوز التوقعات
أثبتت النتائج نجاحاً باهراً؛ فقد استطاع النموذج الحاسوبي التمييز بين النوعين بدقة تراوحت بين 94% و96%. تكمن أهمية هذا الاكتشاف في تجاوزه للعقبات التقليدية التي كانت تفرضها الفحوصات الجينية (DNA)، والتي رغم دقتها، إلا أنها تظل مكلفة، بطيئة، وتتطلب التدخل المباشر في حياة الحيوان.
توضح الدكتورة جيويل قائلة: “من الضروري معرفة هوية النوع بدقة؛ فبالرغم من تشابههما، يواجه كل نوع ضغوطاً بيئية مختلفة. قدرتنا على التمييز بينهما تعني قدرتنا على فهم كيف يستجيب كل نظام بيئي للتغيرات المناخية أو فقدان الموائل بشكل منفصل”. كما كشفت الدراسة عن وجود بعض الأنواع في مناطق جغرافية لم تكن متوقعة، مما يشير إلى أن الثدييات الصغيرة قد تكون في حالة هجرة أو توسع لنطاقها الجغرافي دون أن نرصد ذلك بالوسائل التقليدية.
آفاق مستقبلية: نحو نظام عالمي لمراقبة البيئة
لا تتوقف طموحات الفريق البحثي عند زبابة الفيل؛ فالمرونة التي تتميز بها هذه التقنية تسمح بتطويعها لمراقبة آلاف الأنواع من الثدييات الصغيرة في مختلف النظم البيئية حول العالم. يخطط الباحثون حالياً لتوسيع نطاق تدريب النماذج الحاسوبية لتشمل مجموعات بيانات لحيوانات أخرى، ودمج تحليل البصمات مع تقنيات المراقبة غير الجراحية الأخرى مثل الكاميرات الحرارية والميكروفونات الحيوية.
إن هذا التحول نحو “التتبع الرقمي” يمثل حقبة جديدة في علم الحفظ الحيوي؛ حيث تصبح بصمة القدم البسيطة أداة قوية لتمكين العلماء من قراءة الرسائل التحذيرية التي ترسلها الطبيعة، مما يمنحنا فرصة أكبر للتدخل وحماية التنوع البيولوجي قبل فوات الأوان.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً