# جادة العلم: بين تيسير المنهج وعقبات التشتت
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن العلم الشرعي هو أشرف ما أفنى فيه المرء عمره، وأسمى ما تعلقت به الهمم، وهو الميراث النبوي الذي لا يناله إلا ذو حظ عظيم. غير أن السالكين في دروبه ينقسمون إلى صنفين: صنف وجد العلم سهلاً ميسراً، وآخر وجده صعباً عسيراً. وهذا التباين ليس مرده إلى تفاوت القدرات العقلية فحسب، بل يرجع في أصله إلى المنهجية المتبعة، فالعلم «سهل صعب»؛ سهل لمن لزم الجادة، وصعب لمن ضل الطريق وتخبط في المسالك.
أولاً: الجادة المعروفة.. طريق التيسير
إن العلم لمن سلك الجادة المعروفة التي درج عليها سلفنا الصالح وعلماؤنا الربانيون، يفتح آفاقه ويذلل صعابه. وهذه الجادة ليست لغزاً، بل هي خطوات عملية محددة المعالم، تبدأ بـ:
1. التلقي من أهل العلم: فالعلم لا يؤخذ من الصحف ولا من بطون الكتب ابتداءً، بل يؤخذ من أفواه الرجال الذين شابت لحاهم في مدارسته، فالمعلم يختصر لك المسافات، ويوضح لك المشكلات، ويحميك من زلل الفهم.
2. حفظ المتون: وهي القواعد الجامعة في كل فن، فمن حفظ الأصول حاز الفنون، والحفظ هو الوعاء الذي يحفظ العلم من الضياع.
3. قراءة الشروح المتقنة: فلا يكفي حفظ المتن دون فهم مراميه، وهنا يأتي دور الشروح التي فككت الألفاظ وبينت المقاصد.
4. كتابة الفوائد والتلخيص: فالتقييد صيد، والكتابة قيد، والتلخيص هو الذي يبلور الفكرة في ذهن الطالب ويجعلها ملكة حاضرة.
5. المذاكرة وسؤال المشايخ: العلم ينمو بالمذاكرة، ويجلو صدأه السؤال المستبصر.
6. القراءة الحرة وبحث المسائل: بعد التأصيل يأتي دور التوسع والتبحر من خلال البحوث والقراءات المتنوعة.
ثانياً: فوضى المناهج في عصر التواصل الاجتماعي
وعلى النقيض من ذلك، نجد العلم صعباً مستعصياً على من تخبط بين المناهج. وفي زمننا المعاصر، عظمت المصيبة مع طغيان مواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث كثرت الدروس، وتعددت البرامج، وتنوعت المشارب، فأصبح الطالب يتنقل من درس إلى درس، ومن شيخ إلى شيخ، دون إتمام لمتن أو إنجاز لكتاب.
هذا التشتت لا يثمر إلا «ثقافة عامة» ومعلومات مبعثرة في فنون شتى، تجد المرء يحسن الحديث في كل شيء لكنه لا يتقن تأصيل شيء. إنها ظاهرة «حماس البدايات» الذي سرعان ما ينطفئ، حيث يندفع الشباب خلف كل صيحة علمية جديدة، ثم لا يلبثون أن يتركوا الطريق عند أول عقبة، والسبب هو غياب المنهجية وافتقاد الصبر على جادة التعلم.
ثالثاً: الحفظ.. بوابة السيادة العلمية
لقد أدرك القدامى أن الحفظ هو الركن الركين في طلب العلم، فبذلوا فيه مهجهم ونالوا به قصب السبق. قد يبدو الحفظ صعباً في بدايته، كالأرض البور التي تحتاج كداً لاستصلاحها، ولكن مع الممارسة يقوى الذهن وتتفتح الملكات.
يحدثنا التاريخ عن أبي السمح الطائي، الذي يصور لنا معاناة البداية ثم لذة التمكن، قال: «كنت أسمع عمومتي في المجلس ينشدون الشعر، فإذا استعدتهم زجروني وسبوني، وقالوا: تسمع شيئاً ولا تحفظه؟». ويضيف الشيخ واصفاً حاله: «وكان الحفظ يتعذر علي حين ابتدأت أرومه، ثم عودته نفسي، إلى أن حفظت قصيدة رؤبة (وقاتم الأعماق خاوي المخترق…) في ليلة وهي قريب من مائتي بيت». (الحث على طلب العلم والاجتهاد في جمعه للعسكري، ص71).
هكذا هو الذهن البشري، يبدأ بحفظ الحديث والحديثين ويكون كجدول الماء الصغير، ثم مع الدربة يصبح كالنهر الهادر، لا يقع فيه شيء إلا التهمه حفظاً واستيعاباً.
رابعاً: نماذج من علو الهمة في الحفظ والتكرار
إذا نظرنا في سير الكبار، سنرى عجباً في شدة العناية بالحفظ. ذكر ابن الحاجب عن اليونيني قوله: «من جُمْلة محفوظه: “الجمع بين الصَّحيحين”، وحدثني أنه حَفِظ “صحيح مسلم” جميعَه وكرَّر عليه في أربعة أشهر، وكان يكرر على أكثر “مسند أحمد” من حِفْظه، وأنه كان يحفظ في الجلسة الواحدة ما يزيد على سبعين حديثًا». (طبقات علماء الحديث، 4/ 224).
ولم يكن هذا التفوق وليد الصدفة، بل كان نتيجة للتكرار الممل في نظر البعض، والممتع في نظر الراسخين. فقد كان أبو إسحاق الشيرازي يعيد الدرس مائة مرة، وكان إلكيا الهراسي يعيد الدرس سبعين مرة. إن هذا التكرار هو الذي رسخ العلم في صدورهم حتى صار كالجبال الراسيات.
خامساً: المذاكرة حياة العلم
لا ينتهي الطريق عند الحفظ، بل لا بد من تعهد المحفوظ بالمراجعة والمدارسة. فالعلم ينسى كما ينسى القرآن إذا لم يتعهد. وقد جاء في كتاب «الحث على طلب العلم» للعسكري (ص67): «الحفظ لا يكون إلا مع شدة العناية وكثرة الدرس وطول المذاكرة، والمذاكرة حياة العلم، وإذا لم يكن درس لم يكن حفظ، وإذا لم يكن مذاكرة قلت منفعة الدرس، ومن عول على الكتاب وأخل بالدرس والمذاكرة ضاعت ثمرة سعيه واجتهاده في طلب العلم».
إن الطالب الذي يكتفي برص الكتب في مكتبته دون أن يقلبها في ذهنه بمذاكرة مع أقرانه أو عرض على شيوخه، إنما يجمع ورقاً لا علماً. فالمذاكرة هي التي تظهر دقائق المسائل وتثبت القواعد.
سادساً: أدوات الضبط والاتقان
لتحويل العلم من معلومات متناثرة إلى بناء متماسك، لا بد من استخدام أدوات الضبط الحديثة والقديمة، ومنها:
- التلخيص والتشجير: تحويل المسائل الطويلة إلى مخططات ذهنية يسهل استذكارها.
- تدوين الضوابط والتقسيمات: فالعلم تقسيم وتقعيد، ومن وعى الضوابط والتقسيمات ملك زمام الفن.
- القراءة المنهجية: التي تتدرج من المختصرات إلى المتوسطات ثم المطولات، فلا يهجم الطالب على المطولات قبل إتقان الأصول.
سابعاً: سياسة «نخب العلم» والتدريج
إن العلم لا ينال جملة واحدة، بل يؤخذ على مر الأيام والليالي. وكما قيل:
*اليوم علم وغدا مثله… من نخب العلم التي تلتقط*
*يحصل المرء بها حكمة… وإنما السيل اجتماع النقط*
فالاستمرار على القليل خير من الانقطاع بعد الكثير. إن بناء صرح العلم يحتاج إلى صبر ومصابرة، وإلى عودة حقيقية إلى «الجادة» التي تركها الكثيرون اليوم طلباً للسرعة أو تطلباً للظهور.
خاتمة:
فهل إلى رجوع للجادة من سبيل؟ لعل وعسى أن يقيض الله لهذه الأمة جيلاً من طلاب العلم يحيون منهج السلف في التعلم، فيجمعون بين قوة الحفظ ودقة الفهم، وبين التأصيل والعمل. نسأل الله التوفيق والبركة في الوقت والجهد، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الكاتب: أحسن موسي (بإعادة صياغة وتوسع)

اترك تعليقاً