# صيام شهر كامل غير رمضان.. تأملات في الهدي النبوي والأحكام الشرعية
الحمد لله الذي جعل الصوم جُنّة، وسبيلًا للارتقاء في درجات العبودية، والصلاة والسلام على النبي الأكرم، الذي تركنا على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وعلى آله وصحبه الذين اقتفوا أثره، فكانوا خير أمة أخرجت للناس.
إنَّ نفس المؤمن تواقة دائمًا للزيادة من الخير، وطلب القرب من الله عز وجل عبر بوابة النوافل، ومن أعظم هذه النوافل عبادة الصيام؛ تلك العبادة التي أضافها الله لنفسه تشريفًا فقال في الحديث القدسي: “إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”. ولكن، هل كل زيادة في العبادة تعدُّ محمودة؟ وهل يجوز للمسلم أن يسرد الصيام شهرًا كاملًا أو أكثر دون فطر؟ هذا ما سنبينه في ضوء الأدلة الشرعية وأقوال المحققين من أهل العلم.
مسألة سرد الصوم: بين المشروعية والكراهة
لقد اختلف أهل العلم في مسألة “مواصلة الصوم” أو ما يعرف بـ “سرد الصوم”، وهو أن يصوم المسلم شهرًا كاملًا أو أكثر دون أن يفطر يومًا واحدًا. هذا الاختلاف نابع من تباين في فهم النصوص الواردة، ويمكن تقسيم آراء العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة اتجاهات رئيسية:
الاتجاه الأول: القول بالمشروعية والاستحباب
ذهب فريق من الفقهاء والعبّاد إلى أنه يُشرع للمسلم سرد الصوم طوال السنة، شريطة أن يفطر في الأيام التي نهى الشارع عن صيامها (كالعيدين وأيام التشريق). وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى هذا الرأي قائلًا: “فاستحبّ ذلك طائفة من الفقهاء، والعبّاد؛ فرأوه أفضل من صوم يوم وفطر يوم”. هؤلاء استندوا إلى عموم فضل الصيام ورغبتهم في استغلال الأوقات في الطاعة.
الاتجاه الثاني: القول بالإباحة مع تفضيل غيره
طائفة أخرى من العلماء لم ترَ في سرد الصوم كراهة، لكنها في الوقت ذاته لم تره الأفضل. هؤلاء جعلوا صوم شطر الدهر (يوم وفطر يوم) أفضل منه، وحملوا الأحاديث التي وردت في النهي عن صوم الدهر على من يصوم الأيام المنهي عنها أيضًا. قال ابن تيمية عن هؤلاء: “وطائفة أخرى لم يروه أفضل، بل جعلوه سائغًا بلا كراهة، وجعلوا صوم شطر الدهر أفضل منه، وحملوا ما ورد في ترك صوم الدهر على من صام أيام النهي”.
الاتجاه الثالث: القول بالكراهة أو ترك الأولى (وهو الصواب)
هذا هو القول الذي نصره المحققون، وهو أن سرد الصيام -خاصة الدهر كله- ليس بمشروع، بل هو إما مكروه أو ترك للأولى. والسبب في ذلك صراحة الأحاديث النبوية التي نهت عن ذلك، ومنها نهيه صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص، وقوله صلى الله عليه وسلم: “من صام الدهر، فلا صام ولا أفطر”.
يؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا الترجيح بقوله: “والقول الثالث، وهو الصواب: قول من جعل ذلك تركًا للأولى، أو كره ذلك؛ فإن الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، -كنهيه لعبد الله بن عمرو عن ذلك، وقوله: ‘من صام الدهر، فلا صام ولا أفطر’، وغيرهما- صريحة في أن هذا ليس بمشروع”.
صيام شهر كامل غير رمضان: هل فعله النبي؟
عندما ننتقل من صيام الدهر إلى صيام شهر كامل بعينه (غير رمضان)، نجد أن الهدي النبوي كان دقيقًا جدًا في هذا الباب. فبينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الصيام في بعض الشهور، إلا أنه لم يستكمل صيام شهر قط غير رمضان.
يقول ابن تيمية موضحًا الفرق بين سرد الصوم في بعض العام وسرده طوال العام: “فأما سرد الصوم بعض العام؛ فهذا قد كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعله، قد كان يصوم حتى يقول القائل لا يفطر، ويفطر حتى يقول القائل لا يصوم”. ولكن، هل يعني هذا السرد استكمال الشهر؟
الجواب يأتينا من بيت النبوة، حيث تروي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الحديث الذي أخرجه البخاري قائلة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر إلا رمضان، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان».
هذا الحديث أصلٌ في المسألة، وهو يوضح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكمل ثلاثين يومًا من الصيام في أي شهر من شهور السنة سوى شهر رمضان المبارك. وحتى في شهر شعبان، الذي كان يكثر فيه من الصيام، لم يستكمله كله.
موقف الصحابة من صيام الشهر كاملًا
لقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أحرص الناس على اتباع الهدي النبوي، ولذلك كرهوا تمييز شهر غير رمضان بالصيام الكامل. روى عبد الرزاق في مصنفه، عن ابن جريج، عن عطاء قال: “كان ابن عباس ينهى عن صيام الشهر كاملًا، ويقول: ليصمه إلا أيامًا”.
وهذا النهي من ابن عباس رضي الله عنهما نابع من حرصه على ألا يُشبه غير رمضان برمضان، ولأن الخير كل الخير في اتباع ما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت عن ابن عباس أيضًا قوله: «ما صام رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا غير رمضان» (رواه البخاري ومسلم).
ويؤيد هذا المعنى ما أخرجه الإمام أحمد في المسند عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: “وكان يصوم من الشهر حتى نقول: لا يفطر منه شيئًا، ويفطر حتى نقول: لا يصوم منه شيئًا”. وهذا يدل على أن السرد كان يقع في أجزاء من الشهر، لا في الشهر كله.
لماذا صيام داود هو الأفضل؟
قد يتساءل البعض: إذا كان الصيام عبادة، فلماذا لا يكون الإكثار منه (بالسرد) أفضل من التفريق؟
أجاب الإمام ابن القيم -يرحمه الله- على هذا التساؤل تعليقًا على حديث النبي صلى الله عليه وسلم: “إن أحبّ الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا، ويفطر يومًا”.
يقول ابن القيم: “وهو نص في أن صوم يوم وفطر يوم أفضل من سرد الصيام، ولو كان سرد الصيام مشروعًا أو مستحبًّا، لكان أكثر عملًا؛ فيكون أفضل؛ إذ العبادة لا تكون إلا راجحة، فلو كان عبادة، لم يكن مرجوحًا”.
إن الحكمة من تفضيل صيام داود عليه السلام تكمن في:
1. إعطاء النفس حقها: فلا تمل العبادة ولا تضعف القوى.
2. مخالفة العادة: فالصائم يومًا والمفطر يومًا يكون في مجاهدة مستمرة لنفسه، فلا يعتاد الصيام بحيث يصبح كالعادة الجسدية.
3. القدرة على القيام بالحقوق الأخرى: من عمل، وطلب علم، وحقوق أهل، فالدين جاء بالاعتدال.
الخاتمة: اتباع السنة نجاة
إن القول الراجح الذي تجتمع عليه الأدلة هو أن سرد صوم شهر كامل (غير رمضان) أو أكثر، هو خلاف الأولى، بل صرّح بعض العلماء بكراهته لمخالفته الهدي العملي للنبي صلى الله عليه وسلم ولنهي الصحابة عنه.
أيها المؤمن، إن حبك للطاعة يجب أن يُؤطّر بإطار السنة، فالاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة. فاحرص على أن يكون صيامك تطوعًا مقتديًا فيه بنبيك صلى الله عليه وسلم، فتصوم وتفطر، وتتحرى الأيام الفاضلة كالاثنين والخميس، والأيام البيض، وعشوراء، وعرفات، وأكثر من الصيام في شعبان والمحرم، ولكن دون أن تستكمل شهرًا كاملًا، ليبقى لرمضان مزيته وفضله وتفرده.
نسأل الله أن يرزقنا اتباع السنة في القول والعمل، وأن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال. والله أعلم.

اترك تعليقاً