لغز “الأم آن”: المرأة التي هزت عرش التقاليد الدينية في القرن الثامن عشر
كيف استطاعت امرأة بريطانية لم تتلق أي تعليم رسمي، ونشأت في أحضان الفقر في مانشستر، أن تتحول إلى أيقونة دينية تقود آلاف الأتباع في رحلة عبر المحيط الأطلسي؟ إنها قصة آن لي، زعيمة حركة “الشاكرز” (The Shakers)، الشخصية الكاريزمية التي أثارت جدلاً واسعاً بادعائها أنها تمثل “المجيء الثاني للمسيح في صورة أنثى”، وهي الفكرة التي كانت ولا تزال تعتبر واحدة من أكثر الطروحات الدينية جرأة في التاريخ الحديث.
حركة الشاكرز، التي يُربط اسمها اليوم غالباً بالتصاميم الهندسية البسيطة والأثاث الخشبي المتقن، كانت في جوهرها ثورة اجتماعية ودينية سبقت عصرها بقرون. فقد نادت الحركة، تحت قيادة آن لي، بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، وبالحياة المشتركة القائمة على السلام والاستدامة، وهي مبادئ جعلت منها نموذجاً مبكراً للفكر النسوي والعدالة الاجتماعية في الولايات المتحدة.
من مانشستر إلى نيويورك: رحلة البحث عن “الأرض الموعودة”
ولدت آن لي عام 1736، وعملت في مهن شاقة منها مصانع المنسوجات، قبل أن تنضم في سن الثانية والعشرين إلى “جمعية واردلي”، وهي جماعة انشقت عن الكويكرز. عُرف أتباع هذه الجماعة بـ “الشاكرز” بسبب طقوسهم الحماسية التي تضمنت الرقص والغناء والارتجاف الروحاني. وبمرور الوقت، تبلورت عقيدة الشاكرز حول فكرة محورية: أن المسيح سيظهر مجدداً في هيئة امرأة، وأن آن لي هي هذا التجسيد.
لم تكن رحلة آن لي مفروشة بالورود؛ ففي عام 1770، سُجنت في إنجلترا بتهمة تعطيل الشعائر الدينية. وخلال فترة حبسها، ادعت تلقيها رؤى سماوية تؤكد أن “العزوبية” هي الطريق الوحيد للطهارة والتقرب من الله. وفي عام 1774، وبناءً على رؤية أخرى، هاجرت مع ثلة من أتباعها إلى أمريكا، لتؤسس أول تجمع للحركة بالقرب من ألباني بنيويورك، تزامناً مع اندلاع حرب الاستقلال الأمريكية.
التحديات والاضطهاد: الموقف السلمي في زمن الحرب
واجهت آن لي وأتباعها تحديات جسيمة في أمريكا؛ فموقفهم السلمي الرافض للمشاركة في الحروب أثار ريبة السلطات والمجتمع. سُجنت آن لي مجدداً بتهمة التجسس لصالح بريطانيا، وتعرضت لاعتداءات جسدية عنيفة من قبل الغوغاء الرافضين لأفكارها “الراديكالية”. ويرى مؤرخون أن تلك الإصابات الجسدية كانت سبباً مباشراً في وفاتها المبكرة عام 1784 عن عمر ناهز 48 عاماً.
وعلى الرغم من وفاتها، استمر إرثها في النمو، حيث وصل عدد أتباع الحركة إلى نحو 5000 شخص بحلول منتصف القرن التاسع عشر. كانت مجتمعات الشاكرز ملاذاً آمناً للنساء الهاربات من العنف المنزلي، ومركزاً لدعم العبيد المحررين، ومؤسسة رائدة في رعاية الأيتام والمسنين قبل وجود أي نظام رسمي للخدمات الاجتماعية.
فلسفة العزوبية والمساواة: هل كانت آن لي أولى النسويات؟
يعد مبدأ العزوبية الصارم من أكثر جوانب حياة آن لي إثارة للجدل. ويُرجح الباحثون أن هذا الموقف نبع من تجربتها الشخصية المأساوية، حيث فقدت أطفالها الأربعة في سن مبكرة، مما ولد لديها نفوراً من “المعاشرة الجسدية” التي ربطتها بالألم والمعاناة. ومن هذا المنطلق، أعادت تعريف الأسرة؛ ففي مجتمع الشاكرز، الجميع إخوة وأخوات، ولا توجد سلطة لزوج على زوجة، مما منح المرأة استقلالية لم تكن متاحة في المجتمع الأبوي آنذاك.
وتقول المخرجة مونا فاستفولد، التي تناولت قصة آن لي في فيلمها الأخير “وصية آن لي”: “لقد كانت آن لي بمثابة شعلة نور أضاءت فصلاً قاتماً من فصول التاريخ الأمريكي. إرثها الحقيقي لا يكمن فقط في التصميم والأثاث، بل في منظومة أفكار متعلقة بالمساواة وبناء المجتمع”.
الشاكرز اليوم: نهاية حقبة وبقاء إرث
اليوم، لا يزال هناك ثلاثة أتباع فقط لحركة الشاكرز في الولايات المتحدة، مما يضع الحركة على شفا الانقراض الديموغرافي. ومع ذلك، يظل تأثير آن لي حاضراً في الوجدان الثقافي الأمريكي. ومع عرض فيلم “وصية آن لي” من بطولة أماندا سيفريد، يُعاد تسليط الضوء على هذه المرأة الاستثنائية التي تجرأت على تخيل عالم يتساوى فيه الجميع، عالم تسوده الطهارة والسلام، بعيداً عن صراعات السلطة والنوع الاجتماعي.
المصدر: BBC Arabic



اترك تعليقاً