اكتشاف دور بروتين “ريلين” في ترميم الأمعاء المتسربة وتخفيف حدة الاكتئاب: آفاق جديدة لمحور الأمعاء والدماغ

اكتشاف دور بروتين “ريلين” في ترميم الأمعاء المتسربة وتخفيف حدة الاكتئاب: آفاق جديدة لمحور الأمعاء والدماغ

مقدمة: ما وراء الصحة النفسية.. الأمعاء كمفتاح للشفاء

لطالما كان يُنظر إلى الاكتئاب كاضطراب ينشأ ويستقر في الدماغ وحده، إلا أن الأبحاث الحديثة بدأت في كشف النقاب عن شبكة معقدة تربط بين صحتنا النفسية وجهازنا الهضمي، وهو ما يُعرف بـ “محور الأمعاء والدماغ”. وفي هذا السياق، كشفت دراسة رائدة من جامعة فيكتوريا (UVic)، نُشرت في دورية “Chronic Stress”، عن دور محوري لبروتين سكري يُسمى “ريلين” (Reelin) في معالجة وجهين لعملة واحدة: حالة “الأمعاء المتسربة” وأعراض الاكتئاب الحاد. تفتح هذه النتائج الباب أمام إمكانية تطوير بروتينات قابلة للحقن تعمل على إصلاح الضرر البدني في الأمعاء، وبالتالي تخفيف الضغوط النفسية المرتبطة بها.

المنهجية العلمية: كيف يضعف التوتر المزمن حاجز الأمعاء؟

في الحالة الطبيعية، يعمل الجهاز الهضمي كحارس دقيق، حيث تتحكم بطانة الأمعاء بصرامة في المواد والمغذيات التي يُسمح لها بالمرور إلى الدورة الدموية. ومع ذلك، يؤدي التوتر المزمن واضطرابات المزاج مثل “اضطراب الاكتئاب الجسيم” (MDD) إلى زعزعة هذا التوازن. فمع مرور الوقت، تصبح جدران الأمعاء أكثر نفاذية، وهو ما يُعرف اصطلاحاً بـ “الأمعاء المتسربة” (Leaky Gut).

في هذه الدراسة التي قادها البروفيسور هيكتور كارونشو، ركز الباحثون على نماذج ما قبل سريرية لدراسة تأثير التوتر على مستويات بروتين “ريلين”، وهو بروتين يتواجد في الدماغ والدم والكبد والأمعاء. وجد الفريق أن التوتر المزمن يؤدي إلى انخفاض حاد في مستويات هذا البروتين داخل الأمعاء. وفي تجربة واعدة، أثبت الباحثون أن حقنة واحدة بجرعة ضئيلة (3 ميكروغرام) من بروتين ريلين كانت كافية لاستعادة المستويات الطبيعية للبروتين وإصلاح الخلل الوظيفي الناتج عن التوتر.

الأهمية العلمية: الربط بين الالتهاب والصحة العقلية

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في فهم التبعات البيولوجية لنفاذية الأمعاء؛ فعندما تتسرب البكتيريا الضارة والسموم من الأمعاء إلى مجرى الدم، يستجيب الجهاز المناعي بإثارة التهابات واسعة النطاق. هذه الالتهابات لا تكتفي بمهاجمة الجسم فحسب، بل يمكنها الوصول إلى الدماغ وتفاقم أعراض الاكتئاب.

أظهرت النتائج أن بروتين “ريلين” ليس مجرد مكون هيكلي، بل هو عنصر ضروري لعملية التجديد الطبيعي لبطانة الأمعاء، والتي تحدث عادة كل أربعة إلى خمسة أيام. ومن خلال دعم هذا التجديد، يمنع “ريلين” حدوث حالة التسرب، وبالتالي يقطع الطريق على الاستجابات المناعية الالتهابية التي تحفز الاكتئاب. ويشير الباحثون إلى أن المرضى الذين يعانون من الاكتئاب السريري يمتلكون بالفعل مستويات منخفضة من هذا البروتين في أدمغتهم، مما يعزز الفرضية القائلة بأن استبدال هذا البروتين قد يكون له تأثيرات مضادة للاكتئاب ومجددة للأنسجة في آن واحد.

الآفاق المستقبلية: نحو علاج شامل للاكتئاب

وفقاً للباحثة سيارا هالفورسون، المؤلفة الأولى للدراسة، فإن هذه النتائج تمثل خطوة كبرى نحو إدارة أفضل لاضطراب الاكتئاب الجسيم، خاصة لأولئك الذين يعانون من مشاكل هضمية ونفسية متزامنة. وبالرغم من أن الطريق لا يزال يتطلب المزيد من التجارب السريرية قبل اعتماد بروتين “ريلين” كعلاج رسمي، إلا أن الدراسة تضع حجر الأساس لنموذج علاجي جديد.

إن استهداف الأمعاء كطريقة لعلاج الدماغ يغير مفهوم الطب النفسي التقليدي، ويحول التركيز نحو علاجات أكثر شمولية تتناول الجسم كمنظومة واحدة مترابطة. بفضل دعم المعاهد الكندية لأبحاث الصحة (CIHR)، يطمح العلماء الآن إلى تحويل هذه الحقن التجريبية إلى حلول واقعية تنهي معاناة ملايين المرضى حول العالم.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *