# لغز الجفاء: لماذا نبتعد عن مائدة القرآن؟ وكيف نعود؟
إن المتأمل في حال الأمة اليوم يجد بوناً شاسعاً وفجوة عميقة بين المصحف الذي يزين الرفوف والصدور، وبين القلوب التي تبحث عن طمأنينتها في كل وادٍ إلا وادي الوحي. إننا نعيش حالة من “الغربة” مع كتاب الله، ليست غربة تلاوة -فالمآذن تصدح والشرائط تملأ الآفاق- بل هي غربة اتصال حقيقي، وغربة وجدان، وغربة احتياج.
فلسفة القراءة والبحث عن الذات
إن النفس البشرية جُبلت على السعي وراء ما ينفعها، والبحث عما يسد خلتها ويشبع نهمها. فإذا نظرنا في عاداتنا القرائية، سنجد قانوناً صارماً يحكمنا: “نحن لا نقرأ إلا ما نجد فيه أنفسنا”.
تأمل في ذلك الرجل الذي يسعى لتطوير مهاراته في إدارة الوقت؛ إنه حين يلمح عنواناً في مكتبة يتحدث عن “كفاءة الإنجاز” أو “ترتيب الأولويات”، تجد عينه تلمع، ويده تمتد للكتاب بلهفة، ويقضي الساعات في تصفحه. لماذا؟ لأن لديه “احتياجاً” حقيقياً، ولأن القضية التي يعالجها الكتاب لها “وزن” في حياته اليومية.
وكذلك المتخصص في علم من العلوم، تراه يقتني كل جديد في فنه، ويقرأه بعين فاحصة، لأنه يرى في تلك السطور مستقبله المهني، وتطوره الشخصي، وزيادة وعيه بما يواجهه من تحديات. في كل هذه الحالات، القراءة ليست ترفاً، بل هي عملية “تغذية” لاهتمام قائم بالفعل.
مكمن الداء: لماذا فقد القرآن وزنه في القلوب؟
هنا نصل إلى الحقيقة المرة التي يجب أن نواجهها بكل شجاعة وصدق: إن واحداً من أقوى أسباب ضعف تواصلنا مع القرآن الكريم هو أن قضاياه الكبرى لم يعد لها وزن حقيقي في قلوبنا. لقد تحولت معاني القرآن في وعينا الجمعي إلى “معلومات عامة” أو “حقائق تاريخية” لا نجد في أنفسنا احتياجاً ملحاً لمراجعتها أو استمداد النور منها.
نحن نقرأ القرآن كأننا نقرأ كتاباً نعرف نهايته مسبقاً، أو كأننا نستمع إلى حديث لا يعنينا في تفاصيل حياتنا المعاصرة. لقد فقدنا الشعور بالاضطرار إلى الوحي، ذلك الشعور الذي كان يدفع الصحابة -رضوان الله عليهم- لانتظار الآية تنزل لتفصل في شأن من شؤونهم، أو لتداوي جرحاً في نفوسهم.
قضايا القرآن.. هل هي حقاً “مسلمات” لا حاجة لفحصها؟
إن القرآن الكريم جاء ليعالج أعظم قضايا الوجود، ولكننا -للأسف- وضعنا هذه القضايا في خانة “المسلمات الباردة”.
1. التعريف بالله وأسمائه وصفاته
يحدثنا القرآن عن الله تبارك وتعالى، عن أسمائه الحسنى وصفاته العلا، عن قدرته التي لا يعجزها شيء، ورحمته التي وسعت كل شيء. ولكن، هل نشعر حقاً باحتياجنا لمعرفة “الرزاق” حين تضيق بنا السبل؟ هل نلجأ لصفة “العزيز” حين نشعر بالذل؟ إننا جعلنا معرفة الله معلومة ذهنية، ولم نجعلها حاجة قلبية، فلذا لا نجد في قراءة آيات الصفات ذلك الريّ الذي ينشده الظمآن.
2. سنن الله في الخلق والكون
يفصل لنا القرآن كيف بدأ الخلق، وكيف كُوّن هذا الكون العظيم، ويستعرض لنا قصص الأنبياء وكيف نصر الله أولياءه وكبت أعداءه. هذه ليست مجرد قصص للتسلية، بل هي “قوانين” للنجاح والفشل، وللنصر والهزيمة. حين نعتبرها مجرد تاريخ قديم، فإننا نفقد القدرة على إسقاطها على واقعنا، فلا نرى نصر الله في أيامنا لأننا لم نفهم سننه في كتابه.
3. التوحيد والتشريع
أوامر الله بتوحيده، ونواهيه عن الشرك، وسائر التشريعات التي تنظم حياة الفرد والمجتمع؛ كلها قضايا يراها البعض “معلومات مكررة”. لكن الحقيقة أن التوحيد هو معركة القلب الكبرى مع أهواء النفس وصنميات العصر، والتشريع هو صمام الأمان الذي يحمي الروح من التشتت. حين يغيب هذا الفهم، يصبح القرآن كتاباً صامتاً في واقعنا.
ظاهرة “خرس” النص وفصاحة ما دونه
يقول القائل: “لماذا نجد مَن دون القرآن أكثر إفصاحاً وملامسةً لواقعنا؟”. تجد الكثيرين يتأثرون بمقطع فيديو لمدرب تنمية بشرية، أو مقال لكاتب اجتماعي، أكثر مما يتأثرون بآيات الذكر الحكيم.
والسبب ليس في نقص في بيان القرآن -حاشا لله- بل لأننا نحن الذين ابتعدنا. لقد هيأنا أنفسنا لاستقبال كلام البشر لأننا نرى فيه حلولاً لمشاكلنا المادية والنفسية، وأغلقنا مسام قلوبنا عن كلام رب البشر لأننا توهمنا أننا “مستغنون” عما فيه، أو أننا أحطنا به خبراً.
إن القرآن لا ينطق إلا لمن استنطقه بصدق، ولا يمنح كنوزه إلا لمن أقبل عليه إقبال المحتاج المفتقر. أما من أقبل عليه بعقلية “المستغني” الذي يرى قضاياه تحصيلاً حاصلاً، فإنه لن يجد فيه إلا حروفاً لا تجاوز الحناجر.
الصدق مع النفس: عتبة التغيير الأولى
إن أولى خطوات العلاج هي “الصدق مع النفس”. يجب أن نعترف بمرارة أننا لا نجد في أنفسنا احتياجاً حقيقياً لما ورد في القرآن. هذا الاعتراف ليس يأساً، بل هو تشخيص دقيق للداء.
يجب أن نسأل أنفسنا بكل صراحة:
- هل أشعر فعلاً أنني بحاجة لمعرفة ربي أكثر من حاجتي لمعرفة أخبار العالم؟
- هل أبحث في القرآن عن وصف لنفسي وعيوبي كما أبحث في كتب علم النفس؟
- هل أستمع لخبر الله عن المستقبل والآخرة بنفس الاهتمام الذي أتابع به تحليلات الخبراء عن المستقبل الاقتصادي؟
كيف نستعيد وزن القرآن في قلوبنا؟
لكي يتحول القرآن من “مسلَّم به” إلى “احتياج يومي”، علينا اتباع منهجية جديدة في التعامل مع الوحي:
1. القراءة بروح المفتقر: ادخل على القرآن وأنت تشعر أنك تائه لا دليل لك سواه، وأنك مريض لا شفاء لك إلا فيه. استشعر أن كل آية تخاطبك أنت، وتعالج قضية في صدرك أنت.
2. تفعيل الأسماء والصفات: حين تمر باسم من أسماء الله، توقف واسأل نفسك: كيف يؤثر هذا الاسم في مشكلتي الحالية؟ كيف يغير “القدير” من نظرتي لعجزي؟
3. البحث عن الإجابات: اجعل لك وِرداً للتساؤل. افتح المصحف وأنت تبحث عن إجابة لسؤال يؤرقك، أو حل لخلق يزعجك، وستجد أن القرآن يبدأ بالحديث إليك.
4. تحطيم جدار “المعرفة المسبقة”: تعامل مع كل آية وكأنك تسمعها لأول مرة. انزع عن عقلك غطاء “أنا أعرف هذا المعنى”، فكلام الله بحر لا تنقضي عجائبه.
خاتمة وتضرع
إن المسافة بيننا وبين القرآن هي مسافة قلوب، لا مسافة سطور. فإذا صدقت القلوب في طلب الهداية، انفتحت لها مغاليق الآيات، وصار القرآن هو الصاحب والرفيق، والمنير للدرب في ظلمات الفتن.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى أن نخرج قضايا القرآن من خانة “المسلمات المهجورة” إلى خانة “الضرورات الحية”. نحتاج أن ندرك أن معرفة الله، وفهم سننه، والانضباط بتشريعه، هي قضايا وجودية لا تستقيم الحياة بدونها.
فاللهم اعفُ عنا، واغفر لنا تقصيرنا وتفريطنا في حق كتابك. اللهم ردنا إلى القرآن رداً جميلاً، واجعله ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء أحزاننا، وذهاب همومنا وغمومنا. اللهم ارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار على الوجه الذي يرضيك عنا، واجعلنا ممن يقيمون حدوده وحروفه، ولا تجعلنا ممن يقيمون حروفه ويضيعون حدوده. إنك سميع مجيب.

اترك تعليقاً