تركيا والنظام العالمي الجديد: كيف حجز أردوغان مقعداً في قمة القوى الكبرى؟

تركيا والنظام العالمي الجديد: كيف حجز أردوغان مقعداً في قمة القوى الكبرى؟

تركيا والنظام العالمي الجديد: من الاستشراف إلى التموضع الإستراتيجي

في مارس 2020، وبينما كان العالم يرزح تحت وطأة جائحة كورونا، أطلق الرئيس التركي رجب طيب أردوغان تصريحاً أثار الجدل آنذاك، مؤكداً أن العالم يتجه نحو بناء نظام عالمي جديد على الصعد السياسية والاقتصادية، وأن تركيا ستدخل هذه المرحلة بمزايا تنافسية وبنية تحتية صلبة.

هذا الاستشراف الذي بدا مبكراً، أثبتت الأيام دقة قراءته؛ فمن الانسحاب الأمريكي من أفغانستان إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى تصدعات النظام الدولي القائم على القواعد، بدأت ملامح التغيير الجذري تظهر بوضوح.

دافوس والاعتراف بالقطيعة الدولية

لم يعد نقد النظام العالمي مقتصرًا على أنقرة، بل امتد ليشمل أروقة مؤتمر "دافوس". فقد أشار رئيس الوزراء الكندي السابق، مارك كارني، إلى أن العالم يعيش حالة "قطيعة" وليس مجرد مرحلة انتقالية، معترفاً بأن القواعد الدولية كانت تُطبق بانتقائية لصالح الأقوياء.

هذا الاعتراف عزز شعار أردوغان الشهير "العالم أكبر من خمسة"، حيث يرى الرئيس التركي أن القوى التي هاجمت بلاده سابقاً بسبب صراحتها، باتت اليوم تردد نفس الانتقادات حول جور واختلال النظام العالمي الحالي.

الركائز الإستراتيجية للصعود التركي

لكي تحجز تركيا مكانها كقطب فاعل في النظام الدولي المعاد تشكيله، اعتمدت على ثلاثة محاور رئيسية:

1. التحول إلى النظام الرئاسي

كان الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في عام 2017 خطوة مفصلية. هذا التحول مكن الإدارة التركية من:

  • اتخاذ قرارات إستراتيجية سريعة وحاسمة.
  • تجاوز عقبات الحكومات الائتلافية التي أضعفت الدولة اقتصادياً وسياسياً في العقود الماضية.
  • تعزيز الاستقرار السياسي اللازم لمواجهة الأزمات الكبرى.

2. ثورة التصنيع الدفاعي

لعبت القوة الصلبة دوراً محورياً في تعزيز استقلالية القرار التركي. تشير الأرقام إلى قفزة هائلة في هذا القطاع:

  • نمو الصادرات: ارتفعت صادرات الدفاع من 248 مليون دولار في 2002 إلى توقعات تكسر حاجز الـ 10 مليارات دولار في 2025.
  • الاكتفاء الذاتي: تنتج تركيا اليوم أكثر من 70% من احتياجاتها الدفاعية، مما كسر طوق العقوبات وحظر السلاح الذي فُرض عليها سابقاً.
  • التنوع التقني: لم تكتفِ أنقرة بالمسيرات الشهيرة، بل توسعت لتشمل الطائرات المقاتلة، الصواريخ، والقطع البحرية العملاقة.

3. الدبلوماسية الجيوسياسية وتصفير المشكلات

أدركت تركيا أن الحضور القوي يتطلب نفوذاً يتجاوز حدود الأناضول، فقامت بـ:

  • التواجد الميداني: تعزيز الحضور في مناطق النزاع والتأثير عبر التعاون العسكري والدبلوماسي.
  • تطبيع العلاقات العربية: إعادة صياغة العلاقة مع مصر والسعودية والإمارات، مما خلق كتلة تنسيقية قوية تجاه ملفات غزة، سوريا، السودان، وليبيا.

المتغير السوري والمستقبل الجيواقتصادي

يمثل سقوط النظام البعثي في سوريا (ديسمبر 2024) إضافة جيوستراتيجية كبرى لتركيا. فبجانب كونه انتصاراً أخلاقياً، يفتح الباب أمام:

  • القضاء على المشاريع الانفصالية التي تهدد الأمن القومي.
  • إطلاق مشاريع ممرات اقتصادية وبنية تحتية تربط القارات عبر الأراضي السورية والتركية.
  • تحول تركيا إلى "مفتاح الأحداث" في المنطقة، كما وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

التحدي القادم

نجحت تركيا في أن تصبح في قلب النظام العالمي الجديد، مستفيدة من قوتها العسكرية ودبلوماسيتها المرنة. ومع ذلك، يبقى التحدي الأكبر هو استدامة هذه المكتسبات الإستراتيجية وضمان استمرارها في مرحلة ما بعد "الأردوغانية السياسية"، لضمان بقاء تركيا جالسة على الطاولة الدولية لا ضمن قائمة الطعام.

المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *