# أقنعة الخبث: حقيقة المكر السياسي الإيراني واستراتيجية إدارة الفوضى
إن المتأمل في أحوال أمتنا اليوم، والمتابع لمنعطفات التاريخ المعاصر، يدرك يقيناً أن الصراع في منطقتنا ليس مجرد صدام عابر أو نزاع حدودي بسيط، بل هو صراع إرادات ومشاريع تتخفى وراء أقنعة شتى. ومن أخطر هذه المشاريع ما يمكن تسميته بـ المكر السياسي الإيراني، ذلك النهج الذي لم يكن يوماً عفوياً، بل هو ثمرة مدرسة سياسية ضاربة في القدم، تقتات على استغلال الأزمات وتوظيف الفتن لخدمة أهداف توسعية بعيدة المدى.
جوهر المكر: التغلغل لا المواجهة
إن السياسة التي تنتهجها طهران في المنطقة تقوم على مبدأ “المكر الاستراتيجي”، وهو مكر لا يعرف الأخلاق ولا يقيم وزناً لحسن الجوار. إنها تجربة معاصرة اقترنت بخبث سياسي منظّم، يفضل التغلغل الهادئ على المواجهة الصريحة، ويعتمد تفكيك الدول من الداخل بدلاً من الاصطدام المباشر بجيوشها.
لقد تعلم النظام الإيراني من دروس الماضي، وتحديداً من حربه مع العراق في الثمانينيات، أن المواجهة الجبهوية تستنزف الموارد البشرية والمادية. لذا، تحولوا إلى استراتيجية “الوكلاء”؛ فلا تتقدم الدبابات الإيرانية في المقدمة، بل تتقدم الميليشيات التي تمت صناعتها وتغذيتها عقائدياً ومالياً لتكون هي المخلب الذي يمزق جسد الأوطان. إنها سياسة تقوم على إضعاف الخصوم عبر صناعة كيانات موازية للدولة، وتحويل الأوطان إلى ساحات نفوذ متنازع عليها، مما يفقدها سيادتها وتماسكها.
سلاح الطائفية وتمزيق النسيج الاجتماعي
لا يمكن الحديث عن هذا المكر دون الإشارة إلى السلاح الأمضى في أيديهم: “تغذية الانقسامات الطائفية”. إنهم لا يبحثون عن استقرار، بل يفتشون عن الثغرات في النسيج الاجتماعي للدول العربية والإسلامية. وحين يجدون تلك الثغرات، يعمدون إلى حقنها بجرعات من التحريض وبث روح الفرقة، حتى يغدو ابن الوطن الواحد عدواً لأخيه.
هذا الاستثمار الممنهج في الأزمات هو الذي يفتح لهم ممرات النفوذ؛ فكلما انهارت مؤسسات دولة ما، وُلدت لهم فرصة جديدة للتموضع. إن الفوضى بالنسبة لهذا النموذج ليست خطراً يُخشى منه، بل هي الأداة المثالية للتحكم. إنهم يجيدون اللعب في “المنطقة الرمادية”؛ تلك المساحة الضبابية التي لا هي حرب صريحة ولا هي سلم مستقر، بل هي حالة من الاستنزاف الدائم تخدم مشروعهم التوسعي وتُبقي الجميع في حالة ارتباك.
قراءة في شواهد التاريخ: العراق وأفغانستان
لقد تجلى هذا الدهاء السياسي الخبيث في أوضح صوره بعد سقوط نظام البعث في العراق عام 2003. لم تدخل إيران تلك الحرب بجندي واحد بشكل رسمي، ولم تطلق رصاصة واحدة في مواجهة الغزو، لكنها كانت المستفيد الأكبر من فراغ السلطة. لقد كانت قد أعدت مسبقاً جيوشاً من الميليشيات المسلحة التي تغلغلت في مفاصل الدولة العراقية، حتى أصبحت اليوم جزءاً لا يتجزأ من معادلة الحكم والقرار.
ولم يتوقف الأمر عند العراق، بل تكرر المشهد في أفغانستان. هناك، استغلت طهران الرغبة الأمريكية في إسقاط نظام طالبان، وقدمت تسهيلات استخباراتية وسياسية أدت في النهاية إلى سقوط عدوين لدودين لها على حدودها الشرقية والغربية، دون أن تخسر توماناً واحداً من خزانتها أو تضحي بجندي من جيشها. هذا هو جوهر المكر: أن تجعل الآخرين يحاربون حروبك، وأن تجني أنت ثمار دمارهم.
شبكات النفوذ العابرة للحدود
إن التدخل الإيراني اليوم لم يعد مجرد علاقات دبلوماسية تديرها السفارات، بل هو شبكة نفوذ معقدة تُدار من غرف عمليات أمنية وعقائدية. هذه الشبكة تمتد من طهران لتصل إلى بيروت وبغداد ودمشق وصنعاء، وهي تهدف بوضوح إلى ربط القرار الوطني لهذه العواصم بمركز القرار في طهران.
إننا أمام بنية تدخل تقوم على:
1. إضعاف الجيوش الوطنية: عبر خلق ميليشيات موازية تمتلك سلاحاً وقراراً مستقلاً.
2. تعطيل المؤسسات الدستورية: لضمان بقاء الدولة في حالة شلل دائم يسهل اختراقها.
3. الابتزاز السياسي: عبر تحويل الأزمات التي يصنعونها إلى أوراق تفاوض على الطاولات الدولية.
4. التغيير الديموغرافي والثقافي: لضمان ولاء طويل الأمد يتجاوز المتغيرات السياسية العابرة.
يقظة المنطقة وإعادة ترتيب الأوراق
بعد سنوات من هذا التمدد السرطاني، بدأت القوى الدولية والإقليمية تدرك أن ترك الساحة لهذا النوع من السياسات لم يُنتج توازناً كما كان يظن البعض، بل ولّد سلسلة لا تنتهي من الأزمات الممتدة. لقد أدرك الجميع أن مصلحة المنطقة وشعوبها تكمن في كبح جماح هذا النفوذ وإضعاف هذا النظام الذي يقتات على تخريب الدول.
إن الحديث عن “الدهاء” هنا لا يعني الحنكة المحمودة التي تبني وتعمر، بل هو “القدرة على إدارة التخريب بذكاء”. إنه الخبث حين يتحول من مهارة دبلوماسية إلى مشروع هدام يهدف لإنهاك المنطقة بأسرها. ولكن، وكما يقال: “لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله”، فقد بدأت الأقنعة تتساقط، وأصبح هذا الخبث مكشوفاً للقاصي والداني.
الفوضى كفرصة للإصلاح
إننا اليوم نعيش مرحلة تاريخية فاصلة؛ فالفوضى التي أرادوا بها تمزيقنا، قد تكون هي ذاتها الفرصة الذهبية لإعادة ترتيب أوراقنا. ليس حباً في قوى دولية معينة، ولكن استثماراً في اللحظة الراهنة لإعادة تموضع القوى العربية والإسلامية بما يحفظ هويتها وسيادتها.
إن الواجب الشرعي والوطني يحتم علينا:
- الوعي والتبصر: فلا ننخدع بالشعارات البراقة التي تخفي وراءها خناجر الغدر.
- وحدة الصف: لأن التشرذم هو الثغرة التي يدخل منها الماكرون.
- بناء القوة الذاتية: فالضعيف لا يحترم في عالم لا يعترف إلا بالقوي.
وفي الختام، إن مشروع المكر الذي يقوم على أنقاض الدول مصيره الزوال، لأن الباطل مهما انتفش يظل زهوقاً، ولأن وعي الشعوب هو الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات. إن التاريخ يخبرنا أن الإمبراطوريات التي قامت على الظلم والمكر لم تدم طويلاً، وأن الفجر الصادق لا بد أن يبدد ظلمات الخبث والفتن.
اللهم احفظ بلادنا من كيد الكائدين، ومكر الماكرين، ورد كيدهم في نحورهم، واجعل تدبيرهم تدميراً عليهم يا رب العالمين.

اترك تعليقاً