مقدمة: العين مرآة القلب ومنفذ الروح
الحمد لله الذي جعل في غض الأبصار طهارة للقلوب، وزكاءً للنفوس، والصلاة والسلام على من بعثه الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وعلى آله وصحبه الذين حفظوا جوارحهم فاستنارت بصائرهم. إن قضية غض البصر ليست مجرد توجيه أخلاقي عابر، بل هي أصل من أصول العبادة، وقاعدة صلبة يرتكز عليها صلاح القلب أو فساده. فالعين هي الباب الأوسع الذي تقتحم منه الفتن حصون القلوب، وهي السهم الذي إن لم يُردَّ، أدمى المهجة وأفسد المودة مع الله.
التوجيه الرباني: الأمر الإلهي وأسراره
يقول الله عز وجل في محكم التنزيل، واضعًا المنهج القويم للمؤمنين والمؤمنات: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30، 31].
لقد ربط الحق سبحانه وتعالى بين غض البصر وطهارة النفس (أزكى لهم)، وكأنما يخبرنا أن النماء الروحي والارتقاء الإيماني لا يتحققان مع إطلاق العنان للعين ترتع في المحرمات. وفي تفسير هذه الآية العظيمة، يقول الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: “هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا أبصارهم عما حَرَّمَ عليهم، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يُغْمِضُوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع بصرٌ على مُحرمٍ من غير قصد، فليصرف بصره عنه سريعًا”.
وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن نَظَرِ الفُجَاءَةِ فأمَرَنِي أَنْ أصْرِفَ بَصَرِي. وقد أوضح الإمام النووي رحمه الله معنى هذا الحديث بقوله: “معنى نظر الفجاءة أن يقع بصره على الأجنبية من غير قصد، فيجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صرف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثم”.
فلسفة النظرة: لماذا غض البصر؟
لقد غاص الإمام ابن القيم رحمه الله في أعماق النفس البشرية ليحلل العلاقة بين العين والقلب، فقال: “فلما كان غض البصر أصلًا لحفظ الفرج بدأ سبحانه بذكره… وقد جعل الله سبحانه العين مرآة القلب، فإذا غض العبد بصره غض القلب شهوته وإرادته، وإذا أطلق بصره أطلق القلب شهوته”.
إن النظرة المحرمة ليست مجرد صورة عابرة، بل هي طاقة مدمرة يصفها ابن القيم بقوله: “النظرة تفعل في القلب ما يفعل السهم في الرمية، فإن لم تقتله جرحته، وهي بمنزلة الشرارة من النار ترمى في الحشيش اليابس، فإن لم تحرقه كله أحرقت بعضه”.
وقد صاغ الشعراء هذا المعنى في أبيات تقطر حكمة:
كل الحوادث مبداها من النظــــــر *** ومعظم النار من مستصغر الشـــــرر
كم نظرةً فتكت في قلب صاحبهـا *** فتك السهام بلا قوس ولا وتـــــــــر
والمرء ما دام ذا عين يقلبهــــــــــا *** في أعين الغيد موقوف على الخطر
يسر مقلته ما ضر مهجتـــــــــــــه *** لا مرحبًا بسرور عاد بالـضـــــــــــــرر
الفوائد العشر لغض البصر: منافع الدنيا والآخرة
يفصل لنا ابن القيم رحمه الله عشر منافع يجنيها العبد حين يحبس بصره لله، وهي فوائد تمس جوهر السعادة الإنسانية:
1. امتثال أمر الله: وهو غاية سعادة العبد، فما سَعِدَ من سَعِدَ إلا بامتثال أوامر ربه، وما شقي من شقي إلا بتضييعها.
2. منع السهم المسموم: غض البصر يحمي القلب من أثر النظرة التي قد يكون فيها هلاكه.
3. أنس القلب بالله: إطلاق البصر يشتت القلب ويورث وحشة بين العبد وربه، بينما غضه يجمع القلب على طاعة الله.
4. قوة القلب وفرحه: كما أن إطلاق النظر يضعف القلب ويحزنه، فإن غضه يورثه قوة وانشراحًا.
5. إكساب القلب نورًا: ولهذا ذكر الله آية النور عَقِيبَ الأمر بغض البصر. فإذا استنار القلب أقبلت إليه وفود الخيرات، وإذا أظلم تتابعت عليه سحائب البلاء والبدع.
6. الفراسة الصادقة: من حفظ بصره لله، عوّضه الله بنور في بصيرته يميز به بين الحق والباطل. وكان شجاع الكرماني يقول: “من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم… لم تخطئ فراسته”.
7. ثبات القلب وشجاعته: غض البصر يجمع للعبد بين سلطان البصيرة وسلطان القوة، بينما اتباع الهوى يورث ذل النفس ومهانتها.
8. سد مداخل الشيطان: النظرة هي المنفذ الأسرع للشيطان إلى القلب، حيث يزين صورة المنظور ويجعلها صنمًا يعكف عليه القلب وتشتعل فيه نيران الشهوة.
9. تفريغ القلب للمصالح: إطلاق البصر يورث الغفلة ويجعل أمر العبد “فُرُطًا”، أما غضه فيجعل العبد مشتغلًا بما ينفعه في دينه ودنياه.
10. إصلاح الرابط بين العين والقلب: فإذا فسد النظر فسد القلب وصار كالمزبلة -أعزكم الله- لا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته.
قصص المعتبرين: من الطاعة إلى الانتكاسة
يروي لنا التاريخ قصصًا تهتز لها الأبدان، منها ما ذكره ابن كثير عن “عبدة بن عبد الرحيم”، الذي كان مجاهدًا صوامًا قوامًا، لكنه استهان بنظرة واحدة. فبينما كان يحاصر حصنًا للروم، نظر إلى امرأة منهم ففتنته، وراسلها يطلب الوصول إليها، فاشترطت عليه التنصر، ففعل!
ولما مر به المسلمون بعد مدة سألوه: “ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟” فقال في حسرة: “اعلموا أني أُنسيت القرآن كله إلا قوله تعالى: {رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}”. يا لها من نهاية مفجعة بدأت بنظرة واستهانة.
حرب الشهوات في العصر الحديث
يا معاشر الأحبة، إننا نعيش في زمن تلاطمت فيه أمواج الفتن، وقد علم أعداء الأمة أن سلاح الشهوة أمضى من سلاح المدافع. يقول أحد أقطاب المستعمرين: “كأس وغانية يفعلان في تحطيم الأمة الإسلامية أكثر مما يفعله ألف مدفع”.
لذا نرى هذا الإصرار على نشر المواقع الإباحية، والقنوات الماجنة، وترويج التبرج والسفور عبر وسائل التواصل الاجتماعي. إن الهدف هو إغراق جيل المسلمين في وحل المادة والشهوة ليفقدوا بصيرتهم وقوتهم. ولكن هيهات، فالله متم نوره ولو كره الكافرون.
البشارة النبوية والموقف الحازم
لقد بشرنا النبي صلى الله عليه وسلم بجوائز عظيمة لمن حفظ بصره، فقال: «ثلاثةٌ لا تَرَى أعْيُنُهُمْ النَّارَ يَوْمَ القِيامَةِ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خشْيَةِ الله، وعَيْنٌ حَرَسَتْ في سَبِيلِ الله، وَعَيْنٌ غَضَّتْ عن مَحارِمِ الله». وقال أيضًا: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ…» وذكر منها: «وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ».
إن المؤمن لا يجد لنفسه خيارًا أمام أمر الله، مهما كانت المغريات أو فساد الزمان. فلا عذر بمن يقول إن الحجاب قد قلَّ أو إن الصور في كل مكان. الموقف الإيماني هو ما قاله يوسف عليه السلام في أحلك الظروف: {مَعَاذَ اللَّهِ}.
خاتمة: وصايا عملية لحفظ البصر
- تذكر مراقبة الله: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
- الصرف الفوري: عند وقوع نظر الفجاءة، اصرف بصرك فورًا ولا تتبع النظرة النظرة.
- تجنب الوسائل المحرمة: سواء كانت في الشاشات، أو المجلات، أو وسائل التواصل، فالحكم واحد والحرام حرام.
- الاقتداء بالسلف: سُئل حسان بن أبي السنان بعد عودته من العيد: “كم امرأة حسنة قد نظرت اليوم؟” فقال: “ويحك! ما نظرت إلا في إبهامي هذا منذ خرجت حتى رجعت”.
اللهم طهر قلوبنا، وحصن فروجنا، واجعل أبصارنا لا تنظر إلا إلى ما يرضيك، وعوضنا بنور الإيمان في قلوبنا إنك سميع مجيب.

اترك تعليقاً