واشنطن بوست تنسحب من «وادي السيليكون» في ذروة عصر التقنية: جيف بيزوس وقرارات التفكيك

واشنطن بوست تنسحب من «وادي السيليكون» في ذروة عصر التقنية: جيف بيزوس وقرارات التفكيك

التقنية كقوة مهيمنة وانسحاب إعلامي مفاجئ

لم يعد القول بأننا نعيش في مجتمع متمحور حول التقنية كافياً لوصف الواقع؛ فقد تغلغلت البرمجيات، وتحديداً تعلم الآلة والذكاء الاصطناعي، في كل زاوية من حياتنا، من المدارس والمكاتب إلى الحقول الزراعية. هذه التقنيات، التي خرج معظمها من رحم «وادي السيليكون»، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وهي المحرك الأساسي لعمليات التجارة الإلكترونية التي يقودها عملاق مثل أمازون.

هذا النفوذ التقني حوّل مؤسسي الشركات ومديريها التنفيذيين إلى شخصيات تتمتع بنفوذ سياسي ومالي يذكرنا بـ «العصر المذهب». فوفقاً لمجلة فوربس، يمتلك سبعة من أغنى عشرة أشخاص في العالم ثروات مرتبطة مباشرة بالتقنية، من بينهم جيف بيزوس، مؤسس أمازون ومالك صحيفة واشنطن بوست، الذي يحتل المرتبة الثالثة عالمياً.

تفكيك التغطية التقنية في توقيت حرج

في هذا التوقيت المفصلي، أقدمت صحيفة «واشنطن بوست» المملوكة لبيزوس على تقليص حاد في تغطيتها لقطاع التقنية كجزء من عملية تسريح واسعة شملت أكثر من 300 موظف. وبحسب التقارير، تم خفض الفريق المسؤول عن التقنية والعلوم والأعمال بنسبة تزيد عن النصف، حيث تقلص من 80 إلى 33 موظفاً فقط، بينما خسر قسم التقنية وحده 14 مراسلاً، مما جعل مكتب الصحيفة في سان فرانسيسكو مجرد هيكل فارغ.

شملت هذه التسريحات مراسلين متخصصين في تغطية أمازون، والذكاء الاصطناعي، وثقافة الإنترنت، والصحافة الاستقصائية. كما طالت القرارات أقساماً حيوية أخرى مثل الرياضة، والتغطيات الخارجية (بما في ذلك مكتب الشرق الأوسط ومراسلي أوكرانيا وروسيا)، بالإضافة إلى إغلاق قسم الكتب وتقليص تغطية قضايا العرق والهوية.

المفارقة بين النفوذ والمسؤولية الإعلامية

على الرغم من أن التغطية التقنية ليست بالضرورة أكثر أهمية من القضايا الاجتماعية أو الجيوسياسية، إلا أن الشخصيات التي تمارس نفوذاً هائلاً على الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية هي نفسها المسؤولة الآن عن تقليص تدفق المعلومات حول هذه المجالات. وبينما يطلب عمالقة التقنية من الجمهور توجيه انتباههم إلى مكان آخر، تأتي قرارات «واشنطن بوست» لتعزز هذا التوجه.

برر مات موراي، رئيس التحرير التنفيذي للصحيفة، هذه الإجراءات بأنها عملية «إعادة تشغيل» تهدف إلى جعل الصحيفة أكثر حيوية وربحية في مشهد إعلامي مزدحم ومعقد. ومع ذلك، لا يخفى على أحد أن الصحيفة عانت من خسائر مالية بلغت 100 مليون دولار في عام 2024، بالإضافة إلى تراجع حاد في الزيارات اليومية للموقع الإلكتروني.

أزمة الهوية والارتباط السياسي

يرى مراقبون أن بعض سياسات بيزوس ساهمت في تراجع الصحيفة؛ حيث أدى قراره بوقف دعم المرشحين الرئاسيين (وإلغاء افتتاحية تدعم كامالا هاريس) إلى إلغاء مئات الآلاف من الاشتراكات. كما لوحظ تقارب بين بيزوس وإدارة ترامب الجديدة، خاصة وأن شركته للفضاء «بلو أوريجين» تعتمد بشكل كبير على العقود الفيدرالية.

خاتمة: رمزية التسريحات

تتجلى المفارقة القصوى في مشهد غياب القيادة أثناء تنفيذ هذه التسريحات؛ فبينما كان المدير التنفيذي ويل لويس غائباً، كان جيف بيزوس يقضي وقته في جولة مع وزير الدفاع الأمريكي في مرافق شركة «بلو أوريجين». وبعد أقل من 48 ساعة، قامت واشنطن بوست بتسريح الصحفي الوحيد المسؤول عن تغطية أخبار شركة «بلو أوريجين» نفسها، في إشارة واضحة إلى التحول في أولويات المؤسسة العريقة.

المصدر: TechCrunch

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *