بيع الكحول في السعودية: تحول تاريخي يستهدف المقيمين الأجانب الأثرياء وتعزيز الاستثمار

بيع الكحول في السعودية: تحول تاريخي يستهدف المقيمين الأجانب الأثرياء وتعزيز الاستثمار

بداية عهد جديد: كسر حظر دام لأكثر من سبعة عقود

في خطوة وصفت بأنها واحدة من أكثر التغييرات السياسية والاجتماعية حساسية، بدأت المملكة العربية السعودية بهدوء السماح للمقيمين الأجانب الأثرياء بشراء المشروبات الكحولية. ويمثل هذا الإجراء تحولاً جذرياً ونقطة تحول تاريخية بعد حظر صارم استمر لمدة 73 عاماً، وتحديداً منذ عام 1952. ويأتي هذا التوسع التدريجي في إطار جهود المملكة المستمرة لإعادة تشكيل صورتها العالمية كوجهة منفتحة ومناسبة للاستثمار والعيش.

يعد الحي الدبلوماسي في الرياض، المعروف بخصوصيته ومساحاته الخضراء، مسرحاً لهذه التجربة الفريدة. فداخل مجمع سكني غير ملفت للنظر، يعمل متجر صغير كـ “مختبر خفي” لبيع الكحول وفق ضوابط مشددة، مقتصراً في البداية على الدبلوماسيين قبل أن يتوسع ليشمل فئات محددة من الوافدين غير المسلمين مع نهاية عام 2025.

شروط صارمة: الكحول للأثرياء وحاملي الإقامة المميزة فقط

لم يأتِ قرار السماح بـ بيع الكحول في السعودية بشكل مفتوح، بل تم تقييده بمعايير اقتصادية واجتماعية دقيقة. ووفقاً للقواعد الجديدة التي جرى إدخالها دون إعلان رسمي واسع، أصبح بإمكان المقيمين الأجانب غير المسلمين التوجه للمتجر الوحيد حالياً بشرط استيفاء أحد معيارين ماليين:

أولاً، الحصول على “الإقامة المميزة” التي تبلغ تكلفتها السنوية حوالي 100,000 ريال سعودي (27,000 دولار أمريكي). ثانياً، إثبات الحصول على دخل شهري لا يقل عن 50,000 ريال سعودي. ويهدف هذا التحديد إلى جذب الكفاءات العالية، كبار المديرين التنفيذيين، والمستثمرين الدوليين الذين تسعى المملكة لاستبقائهم لدعم قطاعاتها الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والتصنيع.

ضوابط التشغيل: نظام النقاط وخصوصية الشراء

تخضع عملية الشراء لنظام أمني وتنظيمي صارم؛ حيث يتعين على الزبائن إبراز بطاقة الإقامة التي توضح ديانتهم ووضعهم القانوني، بالإضافة إلى تقديم شهادات راتب للموظفين. وتتم عمليات الشراء بعيداً عن أعين الجمهور، حيث تُوضع الهواتف المحمولة في أكياس مقاومة للعبث قبل الدخول للمتجر الذي لا يظهر حتى الآن على الخرائط الإلكترونية العامة.

ويشير الزبائن إلى أن الأسعار تزيد بمقدار مرتين إلى ثلاث عن الأسواق الغربية، لكنها تظل أقل بكثير من أسعار السوق السوداء. وتعتمد المشتريات على نظام حصص شهرية قائم على النقاط، وهو نظام يصفه البعض بأنه سخي بما يكفي لتلبية الاحتياجات الشخصية، مع منح خصومات خاصة للدبلوماسيين.

رؤية 2030: المحرك الاقتصادي خلف التغيير

يرى المحللون أن هذا التحول مرتبط بشكل وثيق بالضغوط الاقتصادية والحاجة لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط. ومع تذبذب أسعار الطاقة العالمية لتبلغ ما بين 60 و66 دولاراً للبرميل، تجد المملكة نفسها بحاجة لتسريع مشاريع “رؤية 2030”. وتهدف السعودية إلى جذب 70 مليون سائح دولي بحلول عام 2030، ورفع مساهمة قطاع السياحة في الناتج المحلي الإجمالي.

تستعد المملكة لاستضافة فعاليات عالمية كبرى مثل إكسبو 2030 وكأس العالم 2034، مما يتطلب بيئة تتناسب مع التوقعات الدولية. وقد بدأت مجموعات فندقية كبرى بالفعل في توظيف كوادر متخصصة في خدمات المشروبات، مما يشير إلى احتمالية توسع هذه السياسة لتشمل المنتجعات السياحية الكبرى في نيوم والعلا والبحر الأحمر في المستقبل القريب.

التوازن الاجتماعي والمنافسة الإقليمية

تتحرك السلطات السعودية بحذر شديد لتجنب أي رد فعل عنيف في مجتمع محافظ يمثل السعوديون ثلثي سكانه. ويشير الخبراء إلى أن النموذج السعودي قد لا يتبع نموذج دبي المتحرر تماماً، بل قد يميل أكثر إلى “نموذج قطر”، حيث يقتصر البيع على أماكن محددة وفنادق معينة لضمان التوازن بين التحديث والتقاليد.

ومع تخطيط الحكومة لافتتاح متاجر إضافية في جدة والظهران، تظل المملكة تراقب ردود الفعل الاجتماعية والاقتصادية، مؤكدة أن الهدف الأسمى هو تحويل البلاد إلى مركز جذب عالمي يجمع بين الحداثة الاقتصادية والخصوصية الثقافية.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *