حقيقة الغيب في ميزان الوحي
يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: {وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ}. هذه الكلمات الربانية ليست مجرد إخبار غيبي، بل هي صرخة حق تنسف أركان الحتمية المادية التي يحاول النظام الاقتصادي الحديث فرضها على وعي الإنسان. إننا نعيش في عصر يقدس الأرقام، ويحاول جاهدًا إلغاء المجهول، ويقيم صروحاً من الأوهام حول حالة “اللايقين” التي هي أصل الوجود البشري.
في قديم الزمان، كان التاجر والمزارع يمارسان عبادة التوكل في أدق تفاصيل حياتهما اليومية. كان المزارع يضع البذرة في جوف الأرض وعينه ترقب السماء، لا يملك ضمناً لهطول المطر، ولا يقطع بيقين في حجم الحصاد. كان الغيب حاضراً في كل حركة وسكنة، وكان الشعور بالافتقار إلى الله هو المحرك الأساسي للنشاط البشري. أما اليوم، فقد تبدل المشهد تماماً.
وهم الاستحقاق وضياع قداسة الغد
لقد خلقت المنظومة الحديثة، عبر الرواتب الشهرية الثابتة، وعقود العمل طويلة الأجل، وخطط التقاعد المدروسة، وهماً قاتلاً بأننا نعلم بالضبط ماذا سنكسب غداً. تحول الرزق في الوعي الجمعي من “عطاء إلهي” لا نحتسبه، إلى “استحقاق تعاقدي” مضمون بضمانات بشرية واهية.
عندما يخبرك “الإكسيل شيت” وتؤكد لك بنود عقد العمل ما ستجنيه من أموال في عام 2030، فإن الغد يفقد قداسته الغيبية. يتحول المستقبل من مساحة للتضرع والرجاء والعمل الدؤوب المقترن باليقين، إلى مجرد خانات حسابية باردة. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير إداري، بل كان انقلاباً روحياً جعل الإنسان يظن أنه ملك زمام أمره، وأنه استغنى عن خالقه بضمانات شركاته.
تسليع المخاطر: صناعة التأمين كبديل للتوكل
من أبرز منتجات هذا النظام الاقتصادي المادي ما يعرف بـ “صناعة التأمين”. هذه الصناعة لم تأتِ لتنظيم التكافل، بل جاءت لـ “تسليع الغيب”. إنها تبيع للإنسان المعاصر “صك غفران” حديثاً ضد كوارث المستقبل.
أنت تدفع قسطاً شهرياً لتشتري طمأنينة زائفة، تضمن لك أنك إذا مرضت ستعالج، وإذا مت سيرث أطفالك من بعدك ثروة تؤمن حياتهم. لقد صُممت هذه المنظومة لتقول لك بلسان حالها: “لا تقلق، نحن ندري ماذا سيحدث غداً، وقد أمّنا عليه”. إنها محاولة يائسة للسيطرة على الأقدار، وإخراج مفهوم “الابتلاء” من الحسابات البشرية، واستبداله بمفهوم “المخاطر القابلة للإدارة”.
إقصاء الموت من الوعي العام
تتعامل الحضارة المادية مع الموت كعدو لدود، ليس لأنه ينهي الحياة فحسب، بل لأنه “غير قابل للقياس” و”غير قابل للتحكم”. القاعدة الذهبية في الفلسفة المادية تقول: “ما لا يمكن قياسه أو التحكم فيه، يجب إقصاؤه من الوعي العام”.
الموت لا يخضع للمنطق الاستهلاكي، ولا يمكن تحويله إلى مشروع ربح مستدام، ولا يمكن تأجيله بقرار إداري. لذلك، صُممت البيئة الحديثة لتعمل كستار يحجب رؤية النهاية:
- المقابر: نُقلت إلى أطراف المدن بعيداً عن الأعين.
- الجنازات: غابت عن الشوارع والساحات العامة لتختفي خلف جدران المراكز المتخصصة.
- المستشفيات: أصبحت أماكن تعزل الموت عن سياق الحياة الطبيعي.
- الخطاب العام: يُتهم من يذكر الموت بالتشاؤم أو السلبية أو تعكير المزاج العام وتعطيل عجلة الإنتاج.
لقد تحولت الحياة في ظل الرأسمالية إلى ما يشبه الحفلة الصاخبة، حيث يُمنع منعاً باتاً تذكير الضيوف بأن الموسيقى ستتوقف يوماً ما، وبأن الأضواء ستنطفئ.
الموت في مرآة الإعلام: من العظة إلى المؤثرات البصرية
حتى عندما يحضر الموت في وسائل الإعلام، فإنه يحضر مشوهاً. الموت الحقيقي، الذي يهز القلوب ويدفع للتأمل والحساب والسؤال عن المصير، غائب تماماً. بدلاً منه، نرى الموت السينمائي الذي لا يعدو كونه “مؤثرات بصرية” أو مشهداً درامياً بلا معنى عميق.
هذا الإغراق في صور الموت المزيفة جعل الإنسان المعاصر يصاب ببلادة الحس. عندما يرى الموت الحقيقي، لا يتأثر، لأنه شبع من نسخ الموت السينمائية التي لا تترك أثراً في الروح. لقد فقد الموت هيبته كـ “واعظ صامت”، وتحول إلى مادة للترفيه أو الخبر العابر.
هوس البقاء وقلق الوفرة
عندما يُحرم الإنسان من التفكير السوي في الموت، فإنه يبحث اضطرارياً عن “تخدير” يطيل وهم البقاء. من هنا نبع هوس الشباب الدائم، وعبادة الجسد، والهروب المستمر نحو اللذات الحسية.
ورغم كل هذه الوفرة المادية، يعاني الإنسان المعاصر من “قلق مزمن”. هذا القلق هو النتيجة الطبيعية لمحاولة العيش في نظام ينكر الحقائق الوجودية الكبرى. إن الرأسمالية تقوم في جوهرها على “الغفلة”، كما قال تعالى: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.
الغفلة كوقود للاستهلاك
لكي تستمر تروس النظام الرأسمالي في الدوران، يجب أن يظل المستهلك غافلاً. يجب أن تنسى النهاية لكي تشتري أكثر، وتستمتع أكثر، وتراكم الديون التي تربطك بسنوات من العمل المستقبلي.
إن ذكر الموت هو العدو الأول للاستهلاك؛ لأن الوعي بالنهاية يوقظ النفس، والوعي هو عدو التراكم المادي. الميت لا يشتري، والخائف من الآخرة يقتصد في استهلاكه ويقتصر على الضروريات، ويوجه فائض ماله لما يبقى بعد الموت. لذا، كان لزاماً على المنظومة أن تُنسي الإنسان فكرة الرحيل، ليبقى في حالة “نشوة استهلاكية” دائمة.
سرقة المستقبل عبر إغراق الحاضر
لماذا نسينا الغد المرتبط بالآخرة؟ لأننا غرقنا في تفاصيل الحاضر التافهة. منصات التواصل الاجتماعي، التنبيهات المستمرة، الإشعارات التي لا تتوقف، ومواعيد التسليم الضاغطة؛ كلها أدوات تسرق منك رؤية المستقبل الحقيقي عبر إغراقك في ضجيج اللحظة الراهنة.
إن هذه الآية الكريمة: {وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗا} هي في حقيقتها إعلان تمرد على هذا النظام المادي المغلق. إنها تصرخ في وجه الإنسان المعاصر: “أنت لست المسيطر، والنظام ليس هو الإله، والأرض ليست ملكك، والغد ليس في جيبك”.
الخاتمة: النسيان كمنتج حضاري
نحن لم ننسَ هذه الحقيقة سهواً، بل أُنسيناها بفعل فاعل. إن هندسة الحياة المعاصرة، من العمارة إلى الاقتصاد إلى الإعلام، صُممت لتنتج إنساناً ناسياً لمدلول هذه الآية. النسيان هنا ليس خللاً في الذاكرة، بل هو المنتج النهائي والضروري للحضارة المادية.
يجب أن ننسى لكي تستمر التروس في الدوران، ويجب أن نغفل لكي يزدهر السوق. ولكن، يبقى الحق باقياً ما بقي الليل والنهار، ويبقى صوت الوحي ينادينا كلما غرقنا في أوهامنا: {وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ}. فتذكر دائماً أن يقينك بالله هو الحصن الوحيد ضد زيف هذه الحضارة.

اترك تعليقاً