التفكير الثنائي على وسائل التواصل الاجتماعي: كيف تشوه الخوارزميات وعينا الجماعي؟

التفكير الثنائي على وسائل التواصل الاجتماعي: كيف تشوه الخوارزميات وعينا الجماعي؟

ظاهرة “الأبيض والأسود”: كيف تسيطر الثنائية على حواراتنا الرقمية؟

على شاشات الهواتف الذكية، تبدأ القصة بمنشور بسيط أو خبر عابر، لكن سرعان ما تتحول ساحة التعليقات إلى ميدان للمواجهة. بين طرف يدين المسؤولين ويصفهم بالأشرار، وطرف آخر يكيل المديح والثناء، تندلع مشاحنات تتجاوز الفضاء الرقمي لتفسد علاقات واقعية بين الأهل والأصدقاء. هذا المشهد المتكرر يجسد أزمة أعمق تتعلق بطريقة تفكيرنا التي انقسمت إلى فئتين: “معنا أو ضدنا”، “خير أو شر”، دون أي اعتبار للمساحات الرمادية التي تشكل جوهر الواقع الإنساني.

ما هو التفكير الثنائي؟ رؤية علم النفس والتشوه المعرفي

يُعرف علماء النفس هذا النمط بـ “التفكير الثنائي” (Dichotomous Thinking)، وهو مفهوم صاغه عالم النفس الأمريكي آرون بيك، مبتكر العلاج السلوكي المعرفي. بيك اعتبر هذا النوع من التفكير بمثابة “تشوه معرفي”، حيث ينظر الشخص إلى الأمور من زاويتين متناقضتين فقط: نجاح مطلق أو إخفاق ذريع، دون وجود حل وسط. ووفقاً لخبراء علم النفس، يلجأ البشر إلى هذا الطريق المختصر لتبسيط المواقف المعقدة وخلق شعور زائف بالسيطرة واليقين وسط ضغوط الحياة.

لماذا ننجذب إلى السرديات المتطرفة؟

يؤكد البروفيسور جاي فان بافيل، أستاذ علم النفس والعلوم العصبية بجامعة نيويورك، أن التفكير الثنائي غالباً ما يكون نتاجاً لمعتقداتنا الأخلاقية. فعندما نصنف القضايا كمسائل أخلاقية، تبدأ عقولنا تلقائياً في رؤية الأفعال كخير أو شر مطلق. هذا التأطير الأخلاقي يقلل من الاستعداد لتقديم التنازلات ويزرع الرغبة في معاقبة المخالفين، مما يمحو التفاصيل الدقيقة اللازمة لفهم المواقف وحل الخلافات، ويحول النزاعات العادية إلى صراعات “مقدسة” يستحيل فضها.

لعبة الصفر: الاستقطاب السياسي وضياع الأرضية المشتركة

في عالم السياسة، يأخذ التفكير الثنائي شكلاً أكثر خطورة. يقول الدكتور أليكسندر تولكين، الباحث في مختبر الاستقطاب بجامعة ديوك، إن اختزال السياسات المعقدة في سؤال “هل هي جيدة أم سيئة؟” يمنع إيجاد أرضية مشتركة. فعندما يعتقد الناس أنهم في “لعبة صفرية” (حيث مكسب طرف يعني بالضرورة خسارة الآخر)، يتوقف التعاون، بل وقد يدعم البعض سياسات تضرهم شخصياً لمجرد أنها تضر خصومهم بشكل أكبر.

خوارزميات التواصل الاجتماعي: وقود لنيران الانقسام

لا تعمل منصات التواصل الاجتماعي كمرآة محايدة، بل تعتمد على خوارزميات ذكاء اصطناعي مصممة لإبقاء المستخدم متفاعلاً لأطول فترة ممكنة. هذه الخوارزميات تبرز المحتوى الذي يثير الغضب أو يؤكد القناعات المسبقة. بدلاً من الحوار مع معارضين عقلانيين، يجد المستخدم نفسه في مواجهة مع أكثر الأصوات تطرفاً من الطرف الآخر، مما يشوه تصوره عن المجتمع ويجعل التطرف يبدو وكأنه الحالة السائدة.

الأقلية الصاخبة مقابل الأغلبية الصامتة

تشير البيانات إلى أن ما نراه على الشاشة ليس انعكاساً دقيقاً للواقع. كشف مسح تحليلي من جامعة ستانفورد أن 3% فقط من مستخدمي منصة “ريديت” مسؤولون عن إنتاج 33% من المحتوى السام. هذه “الأقلية الصاخبة” تملك مكبراً للصوت يجعل أفكارها تبدو وكأنها الأعراف الاجتماعية الطبيعية. وقد وصف البروفيسور فان بافيل وسائل التواصل بأنها “مرايا الخداع البصري” التي تشوه فهمنا الجماعي لما هو طبيعي.

هل يمكننا الهروب من فخ التفكير الثنائي؟

رغم سيطرة الخوارزميات، يؤكد الخبراء أن الحل يبدأ من الوعي الفردي. يمكننا تدريب أنفسنا على إعادة طرح القضايا بعيداً عن العدسات الأخلاقية المطلقة، ومحاولة فهم تعقيدات كل موقف قبل إطلاق الأحكام. إن إدراكنا بأن ما نراه في الفضاء الرقمي هو صورة انتقائية مشوهة هو الخطوة الأولى نحو استعادة تفكيرنا النقدي وحماية نسيجنا الاجتماعي من التمزق.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *