مقدمة: عظمة كلام الله وشرف من اشتغل به
إنَّ أعظم ما تشرئبُّ إليه النفوس المؤمنة، وأجلَّ ما يسعى لتحصيله أولو النهى، هو القرب من كلام رب العالمين؛ فالقرآن الكريم ليس مجرد كتاب يُقرأ، بل هو حبل الله المتين، ونوره المبين، والمنهاج القويم الذي من استمسك به نجا، ومن أعرض عنه ضلَّ وشقي. إنَّ الاشتغال بالقرآن الكريم -تعلماً وتعليماً- هو من أسمى المقامات العبودية، وأرفع الرتب الإيمانية، فبه تزكو النفوس، وبه تستنير العقول، وبه تنال البركة في الدنيا والرفعة في الآخرة.
إنَّ خيرية هذه الأمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمدى صلتها بكتاب ربها، فكلما اقترب العبد من القرآن تعلماً وفهماً وتطبيقاً وتعليماً، اقترب من منزلة الخيرية التي نصَّ عليها الصادق المصدوق ﷺ.
الشهادة النبوية لأهل القرآن بالخيرية
لقد جاءت النصوص النبوية القاطعة لتضع تاج الفضل على رؤوس الذين جعلوا القرآن محور حياتهم، فعن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ». وفي رواية أخرى عنه رضي الله عنه قال: قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ».
تأمل يا رعاك الله في هذا النص النبوي العظيم، لم يقل النبي ﷺ خيركم أكثركم مالاً، ولا أوسعكم جاهاً، ولا أعلاكم منصباً، بل حصر الخيرية والأفضلية في دائرة الوحي. إنها شهادة حق لأهل القرآن، تُبين أن حطام الدنيا الزائل لا يزن عند الله جناح بعوضة أمام آية من كتاب الله تُتعلم أو تُعلم.
وقد بلغ من تعظيم السلف لهذا الحديث أن سُئل الإمام الثوري عن الجهاد وإقراء القرآن، فرجَّح الثاني واحْتَجَّ بهذا الحديث. وهذا لا يقلل من شأن الجهاد، بل يُبين أن بناء الفرد المسلم وتأسيس عقيدته وتلقينه كلام ربه هو الجهاد الأكبر الذي تقوم عليه أركان الأمة، خاصة في أوقات السلم أو لمن لم يتعين عليه الجهاد القتالي.
مفهوم التعلم والتعليم: أبعد من مجرد الحروف
يظن البعض أن تعلم القرآن يقتصر على ضبط مخارج الحروف وحفظ الكلمات فحسب، ولكن المعنى أعمق من ذلك بكثير. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه “مفتاح دار السعادة”: «تعلَّمُ القرآنِ وتعليمُهُ يتناولُ تعلُّمَ حروفه وتعليمَها، وتعلُّمَ معانيه وتعليمَها، وهو أشرَفُ قِسْمَيْ تعلُّمه وتعليمه؛ فإنَّ المعنى هو المقصودُ، واللفظُ وسيلةٌ إليه، فتعلُّمُ المعنى وتعليمُهُ الغايَةِ وتَعليمها، وتعلُّمُ اللفظ المُجَرَّدِ وتعلِيمُهُ تعلُّمُ الوسائلِ وتعليمُها، وبينهما كما بينَ الغاياتِ والوسائلِ».
إذن، فالخيرية الكاملة تتحقق لمن جمع بين اللفظ والمعنى؛ فتعلم أحكام التجويد وضبط التلاوة هو البوابة، أما الغاية العظمى فهي فهم مراد الله من كلامه، والوقوف عند حدوده، والائتمار بأوامره، والانتهاء بنواهيه. فمن تعلم آية وعمل بها وعلمها للناس، فقد حاز أطراف الخيرية من جميع جوانبها.
النفع القاصر والنفع المتعدي: لماذا المعلم أفضل؟
إن العبادات في الإسلام تنقسم إلى قاصرة (يعود نفعها على صاحبها فقط كالصلاة والذكر) ومتعدية (يصل نفعها للآخرين). والمعلم للقرآن قد جمع بين الاثنين؛ فهو مكمل لنفسه بالعلم، ومكمل لغيره بالتعليم.
يقول العلماء إن الجامع بين تعلم القرآن وتعليمه هو من جملة من عنى سبحانه وتعالى بقوله: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ}. والدعاء إلى الله يقع بأمور شتى، ولكن تعليم القرآن هو أشرفها على الإطلاق؛ لأنه تعليم لأصل الدين ومصدر التشريع.
وقد قال الإمام القرطبي رحمه الله: «تعليم القرآن أفضل الأعمال؛ لأن فيه إعانةً على الدِّين، فهو كتلقين الكافر الشَّهادةَ لِيُسْلِمَ». فالمعلم يغرس في قلب المتعلم بذور الإيمان التي ستثمر عملاً صالحاً طوال حياته، وكل ذلك في ميزان المعلم الأول.
إشكالات علمية وحلولها: المقرئ والفقيه
أورد الحافظ ابن حجر رحمه الله في “فتح الباري” مسألتين دقيقتين في فهم هذا الحديث:
1. المسألة الأولى: هل المقرئ أفضل من الفقيه؟
الجواب هو أن الصحابة الذين خوطبوا بهذا الحديث كانوا فقهاء بالخلقة والسليقة؛ لأنهم أهل اللسان العربي، فكانوا يدركون المعاني بمجرد سماع اللفظ. فمن كان في مثل شأنهم يجمع بين القرآن وفقه معانيه فهو الأفضل، أما من يقرأ الحروف دون فهم للمعنى، فلا شك أن الفقيه الذي يفهم مراد الله أفضل منه.
2. المسألة الثانية: هل المقرئ أفضل من المجاهد والمرابط؟
يدور الأمر هنا على “النفع المتعدي”. فمن كان نفعه للأمة أعظم في ظرف معين كان أفضل. ولكن يبقى لتعلم القرآن وتدريسه خصوصية؛ لأن القرآن هو أصل كل العلوم، فمتعلمه يتعلم خير الكلام، فبالتالي هو خير من متعلم غيره بالنسبة إلى خيرية القرآن ذاته.
نماذج مشرقة من حياة السلف الصالح
لقد أدرك سلفنا الصالح هذه المنزلة، فلم تكن مجرد أحاديث تُروى، بل كانت واقعاً يُعاش.
- أبو عبد الرحمن السلمي: هذا التابعي الجليل، سمع حديث «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وَعَلَّمَهُ»، فماذا كان رد فعله؟ لقد قعد يعلم الناس القرآن في مسجد الكوفة من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى أيام الحجاج، أي ما يقرب من أربعين سنة! وكان يقول: «وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا». لقد دفعه الشوق للخيرية أن يحبس نفسه لعقود لخدمة كتاب الله.
- الإمام نافع بن أبي نعيم: أحد القراء السبعة، الذي ظل يقرئ الناس في المدينة المنورة أكثر من سبعين سنة.
- أبو منصور الخياط البغدادي: الذي لم يكتفِ بتعليم المبصرين، بل تخصص في تعليم العميان لله تعالى، حتى أقرأ سبعين ضريراً. ويُروى أنه رُؤي في المنام بعد موته، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر الله لي بتعليمي الصبيان الفاتحة.
كيف تنال هذه الخيرية في عصرنا الحالي؟
إن باب الخيرية لا يزال مفتوحاً، ولم يغلق بموت السلف، بل هو متاح لكل من صدق مع الله. ويمكنك نيل هذا الفضل عبر خطوات عملية:
1. تخصيص وقت يومي للتعلّم: لا يمر عليك يوم دون أن تتعلم آية جديدة، تفسيراً، أو حكماً تجويدياً.
2. تعليم أهل بيتك: ابدأ بزوجتك وأبنائك، فتعليمهم الفاتحة وسور القرآن هو أولى خطوات النفع المتعدي.
3. دعم حلقات تحفيظ القرآن: إذا لم تكن قادراً على التعليم بنفسك، فبمالك وجاهك وتشجيعك، والدال على الخير كفاعله.
4. العمل بالقرآن: إن غاية التعلم هي العمل، فكن قرآناً يمشي على الأرض بأخلاقك ومعاملاتك.
5. الإخلاص: وهو شرط قبول العمل، فالله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم، بعيداً عن الرياء وطلب السمعة.
خاتمة: نداء إلى كل مسلم
يا باغي الخير، إن العمر قصير، والمشاغل كثيرة، ولكن لا يليق بمؤمن يعلم أن الله وصف كلامه بالبركة والهدى والنور أن يزهد في تعلمه وتعليمه. إن الانضمام إلى ركب “خير الناس” لا يحتاج إلى مال وفير، بل إلى قلب مقبل وهمة عالية.
اجعل القرآن رفيقك، وصحح تلاوتك، وافهم معاني آياته، ثم انقل هذا النور إلى غيرك، ولو بآية واحدة. فربَّ آية تعلمها لطفل صغير، تظل تجري عليك حسناتها وأنت في قبرك وحيداً. نسأل الله العظيم أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهله وخاصته، وأن يرزقنا خيرية التعلم والتعليم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

اترك تعليقاً