رمضان في غزة: حين تمسي الخيام بيوتاً وتصبح الذكريات وجعاً
بينما يستعد العالم الإسلامي لاستقبال شهر رمضان المبارك بالزينة والأنوار، تبدو الصورة مغايرة تماماً في قطاع غزة. هنا، داخل مخيمات النزوح المتهالكة في وسط القطاع، تغيب الفوانيس وتختفي معالم البهجة المعتادة، لتحل محلها خيام قماشية ضيقة تحكي قصص صمود أسطورية يسطرها الأطفال بأبسط الوسائل وأقل الإمكانيات.
براءة تتحدى القصف: أمل لا ينطفئ
في جولة ميدانية بين أزقة المخيمات المكتظة، لا تخطئ العين مجموعات الأطفال وهم يركضون ويلعبون في مساحات ضيقة. هذه الحركات العفوية ليست مجرد لهو عابر، بل هي إعلان صريح بأن أطفال غزة في رمضان يرفضون الاستسلام لمرارة الواقع، وأن جذور الأمل في قلوبهم لم تقصفها الطائرات بعد.
ذكريات البيت مقابل واقع الخيمة
تروي الطفلة ملك (13 عاماً) تفاصيل الحياة الجديدة، مؤكدة أن روح التكافل بين النازحين هي ما يمنح الشهر طعماً مختلفاً هذا العام. ورغم محاولات التكيف، يبقى الحنين للبيت هو الغالب، وتلخص الفوارق في نقاط موجعة:
- غياب اللمة: فقدان العائلة الكبيرة والجيران الذين كانوا يجتمعون يومياً.
- انعدام الطقوس: اختفاء الزينة والأنوار التي كانت تملأ الشوارع.
- ضيق المكان: تحول المنزل الواسع إلى خيمة تفتقر لأدنى مقومات الخصوصية.
من جهتها، تشير صباح (13 عاماً) إلى انعدام التجهيزات كلياً؛ فلا كهرباء تسمح بإضاءة فانوس، ولا متسع في الخيمة للتحضير، مما جعل مجرد التفكير في استقبال رمضان عبئاً نفسياً ومادياً ثقيلاً فوق طاقة البشر.
وجع الفقد: حين يغيب السند في رمضان
تختصر الطفلة شيماء (12 عاماً) مأساة جيل كامل بعبارة تدمي القلوب: "نفرح برمضان، لكن يأتي معه أوجاعه". تعيش شيماء مرارة اليتم بعد استشهاد والدها في الحرب، وبالنسبة لها، رمضان هذا العام هو مواجهة مباشرة مع الفراغ؛ حيث تحضر ذكرى والدها بقوة كلما رأت طفلة تمسك بيد أبيها.
حكايات الفقد البسيطة: فانوس لميس الضائع
في زاوية منسية من المخيم، تلهو الصغيرة لميس (5 سنوات). حين تُسأل عن فانوس رمضان، تجيب ببراءة تختصر المأساة: "ضاع". في غزة، لم تضع الألعاب والفوانيس وحدها، بل ضاعت البيوت، والأحلام، وفي كثير من الأحيان، ضاع الأمان والاستقرار.
خاتمة: إصرار على الحياة رغم الألم
هكذا يستقبل الصغار شهرهم الفضيل؛ بابتسامات منكسرة وفرحة مشوبة بالدموع، متمسكين بأمل عنيد في أن يحمل الشهر الكريم معجزات الرحمة. يبقى أطفال غزة في رمضان النموذج الأسمى للإرادة الإنسانية، يصرون على انتظار الهلال، لأنهم ببساطة.. أطفال يستحقون الحياة.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً