مقدمة: تسارع الزمان وثقل الأحداث
ما أسرع ركب الأيام! وما أشد إفلات ما تحمله من أعمار العباد! لقد غدت السرعة نعتًا لازمًا لهذه الأيام، وصفةً لا تخطئها عين بصير رقب تلك المطايا وهي تطوي الفيافي والقفار، حاملةً معها أحمالها من الآجال والأعمال. إن المتأمل في أحداث هذه الأوقات ووقائعها يدرك أنها قد ثقلت على ساعاتها، حتى كأن الدقائق لم تعد تطيق حمل ما يمر بها من أحداث جسام ووقائع عظام.
إننا نعيش في زمنٍ ردنا الله تعالى فيه إلى مفرق الطرق من جديد، حيث تتلاطم أمواج الفتن، وتتلاحق الخطوب، ويسوق الله إلينا في خضم ذلك كله العمل والأمل معًا من بعيد. إنها لحظات تاريخية فارقة، ينظر فيها سبحانه وتعالى إلى صنيعنا، وماذا نحن عاملون في هذه المنعطفات الكبرى؟ هل نستنهض في قلوبنا عزائم المتقين؟ وهل نتأهب للقيام بوظائف هذا الدين العظيم؟
مباغتة المواسم في زمن الغفلة
تأبى الأيام إلا أن تباغت العباد بمواسم الطاعات، وكأنما أرادت أن تفجأهم بها من وراء أثقال الحياة وخطوبها التي تختلس أنظار أكثر الناس. إن الناس في هذا الزمان يكادون لا يشعرون بمواسم الزمان وعوائده الروحية، إذ استغرقتهم الطوارئ من الأحداث، واستنزفت مشاعرهم الأزمات المتلاحقة، حتى غفلوا عن المورد العذب الذي أوشك أن يفتح أبوابه.
وإذا كان رمضان في زمان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- هو مورد القلوب الصافية، وموطن الاشتياق الدائم، حيث تجذب إليه أنفسهم جذبًا، وتسبقهم إليه أفئدتهم شوقًا وحنينًا؛ فإن رمضان هذا العام، وتحت ظلال هذه الأحداث المتسارعة، لحقيقٌ بأن يردنا إلى ذلك الزمان الجميل ببهائه وروحانيته. إنه يقترب منا الآن، تحمله تلك الوقائع لتلح على قلوب أهل الدين ببيان خطره وعظيم قدره، فهم السعاة الحقيقيون في توجيه بوصلة الأمة في هذا الحين.
رمضان.. ميلاد أمة وبعث حضارة
لا ينبغي لأهل الإيمان، بعد كل ما جرى بين أيديهم من عبر، أن يغفلوا عن عظيم أثر رمضان في سعيهم نحو الإصلاح. إنه لا يستقيم سعي لبناء أمة أو ترميم بنيانها إن فاتنا ما في رمضان من أسباب ذلك البناء المتين. أفلم يشعر الغافلون أن رمضان هو في الحقيقة ميلاد هذه الأمة؟
لقد كانت الأمة قبل رمضان شيئًا لم يكن مذكورًا، تائهة في فيافي الجاهلية، حتى أذن الله لها بالوجود والميلاد الحقيقي. كان ذلك في ليلة القدر، في قلب رمضان، حين أوحى الله تعالى إلى عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- بالقرآن الكريم، فكان هذا الكتاب هو شهادة ميلاد الأمة، وكان رمضان هو زمن هذا الميلاد المبارك. فكيف يغفل عن ميلاده من يرجو لنفسه ولأمته حياةً وعزة؟
جدلية الخفاء والعلن في مدرسة الصيام
من عجائب هذا الشهر أنه جمع للأمة بين أخص وأخفى أحوالها الإيمانية، وبين أجمع وأوضح راياتها الظاهرة. إنه في فريضة الصيام يأخذ بأفراد الأمة وحدانًا، ليربي فيهم الإخلاص المطلق، حيث يأتي كل عبد ربه فردًا، في حال هي أخص ما يكون بين العبد وخالقه، وأخفى ما تكون عن أعين الخلق.
وفي هذا المقام، نستحضر قول ربنا تبارك وتعالى في الحديث القدسي الذي نقله لنا نبينا -صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» (متفق عليه). فما أجل هذا الاختصاص! وما أشرف هذه الإضافة! إنها خلوة القلب بالرب في زحام الحياة، وصيانة السريرة من شوائب الرياء.
ولكن، وبرغم خصوصية تلك الحال وخفائها، فإن رمضان يوقف الأمة جميعًا تحت راية واحدة. تجمعهم تلك الحال الإيمانية، فيشتبهون ويلتحمون حتى كأنهم رجل واحد في كل شعائر ذلك الزمان. تجدهم في صيامهم، وفي قيامهم، وفي أعمال البر والصلة، يمثلون جسدًا واحدًا. هنا تتحول الخصوصية الفردية إلى خصيصة للأمة وعلم عليها، ويتحول الخفاء إلى مظاهرة إيمانية كبرى، وإعلان بالاتحاد والالتحام. فلا تجد الأمة متلاحمة كالشيء الواحد كما تجدها في تلك الأيام المباركة.
رمضان.. محرك التغيير والترويض الجماعي
إن رمضان ليس مجرد محطة للاستراحة، بل هو زمان يعين على السعي والحركة، ويدفع بقوة في اتجاه التوجيه والاجتماع. إنه يمعن في ترويض النفوس وتغيير الطباع، ليس على مستوى الأشخاص والأفراد فحسب، بل في جموع الناس وطوائف الأمة قاطبة.
إن قدوم رمضان يعني بالضرورة قدوم الناس على الدين، وإقبالهم على بيوت الله. يعني أن يأتي الناس مواقع المتدينين بغير اكتساب ولا مجهود دعوي شاق، تمامًا كما أتاهم رمضان بغير اكتساب منهم. فمهما نفر أناس نتيجة الفتن، ومهما شذت جموع عن جادة الطريق، فإن أكثرهم آتون في الصيام، وقادمون في القيام، يحدوهم الحنين إلى رحمة الله. فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل أعد المتدينون لهذا الإقبال عدته؟ وهل هيأوا القلوب لاستقبال هؤلاء العائدين؟
إدراك المتربصين لخطر رمضان
إن لم يدرك المتدينون قيمة هذا الشهر الآن، فقد فاتهم أوان الانتباه والانتفاع، وأفلتت من بين أيديهم أدوات السعي وأسباب البناء التي لا تتوفر في غيره. إن “خطر” هذا الشهر القادم -بمفهوم التأثير والتغيير- قد أدركه المتربصون بهذه الأمة قبل أن يدركه بعض أبنائها. لقد ود أولئك لو سقطت أيام رمضان من تقويم الزمان!
وهذا ديدنهم في كل عام، لكنه في هذا العام أشد، وفي هذه الظروف أخطر. إنهم يعلمون يقيناً أنهم لا يطيقون دفع هذا المد الإيماني، ولا قدرة لهم على مواجهة هذا الطوفان الروحي الذي يغسل أدران العام في شهر واحد. لذا، تراهم يعملون الآن عمل اليوم في الساعة، ويحشدون سعي الأيام في اليوم الواحد، مسابقين الساعات، عساهم أن يقيموا لباطلهم بنايات تقوى على البقاء أمام إعصار رمضان، فإذا أتى عليها الشهر، نقص منها ما استطاعوا، فما استطاعوا له نقضًا.
دعوة للتنبه والاستعداد
يا أهل الدين، ويا حماة الثغور، إن تفرقتم عن التنبه لعظمة هذا الشهر القادم، فإن أعداءكم يأتمرون فيما بينهم بأن يمشوا ويصبروا لمواجهة هذا “الخطر الداهم” الذي يهدد عروش باطلهم ومخططات تغريبهم. إن رمضان هو قوتكم الكامنة، وهو سلاحكم الذي لا ينبو، فلا تضيعوا هيبته في قلوبكم بكثرة الغفلة أو الانشغال بالهوامش عن المتون.
إن المسؤولية الملقاة على عاتق المصلحين في رمضان هذا العام مضاعفة؛ فالمجتمع يتهيأ للتغيير، والقلوب تلين لذكر الله، والأجواء العامة تساعد على البناء والترميم. فليكن رمضانكم هذا انطلاقة جديدة، وبداية لميلاد ثانٍ للأمة، يستلهم من ليلة القدر نور الهداية، ومن الصيام قوة الإرادة، ومن القيام لذة المناجاة.
خاتمة ودعاء
ختامًا، إن رمضان ليس مجرد أيام معدودات تمر، بل هو فرصة العمر التي قد لا تتكرر في ظل هذه التحولات الكبرى. فاستقبلوا شهركم بقلوب حاضرة، ونوايا صادقة، وعزيمة على التغيير تبدأ من النفس وتفيض على الأمة.
فاللهم بلغنا رمضان، وبارك لنا فيما بقي من رجب وشعبان، واستعملنا في ذلك لدينك، وأعنا فيه على طاعتك، واهدنا واجعلنا سببًا لمن اهتدى، وعمالاً مخلصين في نصرة شرعتك وإعلاء كلمتك. اللهم اجعل رمضان هذا العام نصرًا للإسلام وعزًا للمسلمين، وفرجًا للمكروبين في كل مكان. آمين.
***
الكاتب الأصلي: د. محمد رجب (بتصرف وإعادة صياغة)

اترك تعليقاً