مسقط تحتضن جولة جديدة من الدبلوماسية المكوكية بين طهران وواشنطن
في خطوة تعكس تسارع وتيرة الحراك السياسي في المنطقة، التقى أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، بسلطان عُمان هيثم بن طارق في قصر البركة بمسقط. يأتي هذا اللقاء رفيع المستوى بعد أيام قليلة من استضافة السلطنة لجولة مباحثات غير مباشرة بين إيران والولايات المتحدة، مما يشير إلى وجود رغبة جدية في استكشاف سبل العودة إلى المسار الدبلوماسي. وبحسب وكالة الأنباء العُمانية، فقد ركزت المحادثات على آخر مستجدات المفاوضات الإيرانية الأمريكية، وسبل التوصل إلى اتفاق يوصف بأنه “متوازن وعادل” يرضي تطلعات الطرفين ويضمن استقرار المنطقة.
أكد الجانبان خلال الاجتماع على ضرورة تغليب لغة الحوار وتقريب وجهات النظر لحل الخلافات العالقة بالطرق السلمية. ولم تقتصر لقاءات لاريجاني على الجانب العُماني الرسمي فحسب، بل شملت أيضاً وزير الخارجية بدر البوسعيدي، الذي يلعب دوراً محورياً في الوساطة، بالإضافة إلى عقد مشاورات مع المتحدث باسم جماعة الحوثي، مما يعكس شمولية الملفات التي تحملها طهران في حقيبتها الدبلوماسية بمسقط قبل توجه لاريجاني إلى العاصمة القطرية الدوحة.
تباين الأجندات: بين البرنامج النووي والصواريخ الباليستية
رغم الأجواء التفاؤلية التي تحاول الدبلوماسية العُمانية إشاعتها، إلا أن الفجوة في الأجندات لا تزال قائمة بشكل واضح. فبينما تصر طهران على أن تقتصر المفاوضات الإيرانية الأمريكية على الملف النووي ورفع العقوبات الاقتصادية، تسعى واشنطن، بدفع من حلفائها الإقليميين، إلى توسيع نطاق البحث ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وكبح نفوذ المجموعات الموالية لها في المنطقة. المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، أوضح أن جولة المحادثات الأخيرة مكنت طهران من قياس مدى جدية الجانب الأمريكي، مؤكداً وجود تفاهم كافٍ لمواصلة المسار، بشرط إزالة “انعدام الثقة” الذي يشوب نوايا واشنطن.
وفي تصريح لافت، ربط رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، محمد إسلامي، إمكانية خفض مستويات تخصيب اليورانيوم (التي وصلت إلى 60%) بالرفع الكامل للعقوبات المفروضة على بلاده. هذا الطرح يواجه حذراً أمريكياً، حيث أشار جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، إلى أن القرار النهائي بشأن “الخطوط الحمراء” في هذه المفاوضات سيبقى بيد الرئيس دونالد ترامب، مما يضع مستقبل الاتفاق في مهب التجاذبات السياسية داخل البيت الأبيض.
نتنياهو في واشنطن: جبهة ضغط لمنع “الاتفاق الجزئي”
على المقلب الآخر، يتوجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن لعقد لقاء حاسم مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وصرح نتنياهو قبيل مغادرته بأن الملف الإيراني يتصدر جدول أعماله، حيث يسعى لفرض رؤية إسرائيلية تقضي بأن أي اتفاق مستقبلي يجب ألا يكتفي بتقييد البرنامج النووي، بل يجب أن يشمل قيوداً صارمة على ترسانة الصواريخ الإيرانية ووقف دعم ما يسميه “محور إيران”.
هذا التحرك الإسرائيلي تراه طهران محاولة “تخريبية” للجهود الدبلوماسية. وحذر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية من الضغوط التي قد تمارسها إسرائيل للتأثير على استقلالية القرار الأمريكي في المفاوضات. وتأتي هذه التطورات بعد تجارب ميدانية قاسية في يونيو الماضي، شهدت مواجهات مباشرة وضربات متبادلة، مما جعل الطرفين يدركان خطورة الانزلاق نحو مواجهة شاملة، وهو ما دفع نحو العودة إلى طاولة المفاوضات في مسقط كخيار لا بديل عنه لتجنب سيناريوهات الحرب.
الجاهزية العسكرية تظل حاضرة خلف أبواب الدبلوماسية
بالتوازي مع الحراك السياسي، لا تزال لغة التهديد العسكري حاضرة في المشهد. فقد أكد الجيش الإيراني على لسان كبار قادته أن القوات المسلحة في أعلى درجات الجاهزية للرد على أي اعتداء. هذا التلويح بالقوة يأتي في ظل تعزيزات عسكرية أمريكية في المنطقة، مما يشير إلى أن المفاوضات الإيرانية الأمريكية تجري تحت ضغط ميداني مكثف. وبينما يأمل الوسطاء في عُمان وقطر أن تفضي هذه الجولات إلى تهدئة مستدامة، يبقى التساؤل قائماً حول قدرة الدبلوماسية على تجاوز عقبة “انعدام الثقة” التاريخية بين طهران وواشنطن، خاصة مع دخول العامل الإسرائيلي بقوة على خط المفاوضات.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً