السير إلى الله: معالم الإحسان وتهذيب النفوس في ظلال الوحي

مقدمة: حقيقة الرحلة ومعنى الوجود

إنَّ أعظم رحلةٍ يخوضها الإنسان في غمار هذه الحياة ليست هي تلك التي تقطع فيها الأقدامُ الفيافي والقفار، بل هي رحلة القلوب إلى بارئها، ومسير الأرواح إلى خالقها. إنَّ السير إلى الله تعالى هو الغاية التي من أجلها وُجدنا، وهو المرفأ الذي إليه نأوي في خضم أمواج الحياة المتلاطمة. يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]، وهذه العبادة ليست مجرد طقوسٍ جافة، بل هي حياةٌ متكاملة يسكنها الحب، ويغلفها الخوف والرجاء، ويقودها الشوق إلى لقاء الله عز وجل.

القلب: محرك السير ومركز البصيرة

في منهج الإسلام الوسطي، يُعدُّ القلب هو الملك، والجوارح هي جنوده. فإذا استقام الملك استقامت الرعية. وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على هذه المركزية في قوله الصحيح: “ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” (رواه البخاري ومسلم). إنَّ السير إلى الله يتطلب قلبًا سليمًا، قلبًا لا يلتفت لغير الله، ولا يرجو إلا فضل الله. يقول الحق سبحانه: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88-89].

والسلامة هنا تعني الخلو من الشرك والبدعة والغل والحسد، والامتلاء بمحبة الله ورسوله. إن المحبة هي المحرك الأساسي في طريق السير، فالمحب يسرع الخطى نحو حبيبه، ويبذل الغالي والنفيس في سبيل رضاه.

منزلة الإحسان: ذروة سنام العبودية

لا يمكن للعبد أن يترقى في مدارج السالكين إلا إذا استشعر مقام الإحسان. والإحسان كما عرفه المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل المشهور: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. هذا المقام الرفيع هو لبُّ الروحانية الإسلامية، حيث يغيب العبد عن مراقبة الخلق لمراقبة الخالق.

إن استشعار معية الله الدائمة (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) [الحديد: 4] يورث في القلب طمأنينة لا تزلزلها الأزمات، ويمنح الروح هيبة تمنعها من مقارفة الذنوب في الخلوات. السير في مقام الإحسان يجعل من العادة عبادة، ومن الحركة سكونًا إلى الله، ومن السكون فكرًا في آلاء الله.

محطات في طريق السير: التوبة واليقظة

أولى محطات السير إلى الله هي “اليقظة”، وهي انتباه القلب من رقدة الغفلة، وإدراكه أنَّ الدنيا دار ممر لا دار مقر. تليها مباشرة محطة “التوبة”، وهي الرجوع الدائم إلى الله. فالسائر إلى الله ليس معصومًا، بل هو بشرٌ يخطئ ويصيب، لكنَّ شأنه الإنابة. يقول الله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].

  • التوبة النصوح: هي التي لا عودة بعدها للذنب، وهي تجديد للعهد مع الله.
  • المحاسبة: أن يقف العبد مع نفسه كل يوم، ماذا قدم لآخرته؟ وكيف قضى وقته؟
  • المجاهدة: مجاهدة الهوى والنفس الأمارة بالسوء لترتقي إلى مرتبة النفس المطمئنة.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله” (رواه أحمد). إنَّ طريق الجنة محفوف بالمكاره، ولا يُنال مقام القرب إلا بصبرٍ جميل ومجاهدةٍ لا تفتر.

أجنحة السير: الصبر والشكر

يرى علماء التربية الروحية أنَّ السائر إلى الله يطير بجناحين: جناح الصبر وجناح الشكر. فلا تخلو حياة المؤمن من محنةٍ تحتاج صبرًا، أو منحةٍ تستوجب شكرًا. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في قوله: “عجبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له” (رواه مسلم).

إنَّ الصبر ليس مجرد كظمٍ للغيظ أو تحملٍ للألم، بل هو الرضا عن الله في تدبيره، واليقين بأنَّ ما أصابنا لم يكن ليخطئنا. والشكر ليس مجرد كلمة تقال باللسان، بل هو اعترافٌ بالمنعم، وتسخيرٌ للنعم في مرضاته. (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: 7].

الذكر: قوت القلوب وجلاء الصدور

في رحلة السير الطويلة، يحتاج العبد إلى زاد، وخير زادٍ هو ذكر الله. الذكر هو الذي يربط الأرض بالسماء، ويجعل العبد في معية الله الخاصة. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: “أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه”.

بالذكر تلين القلوب القاسية، وتُغفر الذنوب العظيمة، وتُرفع الدرجات. يقول سبحانه: (أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]. وليس الذكر مجرد تمتمة باللسان، بل هو حضور القلب مع الله، واستحضار عظمته وجلاله في كل وقت وحين. إنَّ الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات هم السابقون في مضمار السير، وهم الأحياء حقًا، بينما الغافل عن ذكر ربه كالميت وإن مشى بين الناس.

الاستقامة: ثباتٌ حتى الممات

إنَّ أصعب ما في السير هو المداومة والثبات. فالاستقامة هي كرامة الأولياء، وهي الالتزام بمنهج الله دون غلوٍ أو تقصير. وقد أمر الله نبيه بها فقال: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ) [هود: 112].

الاستقامة تعني أن يكون ظاهر العبد كباطنه، وأن يكون يومه خيرًا من أمسه. وفي هذا المسار، يحتاج المسلم إلى الرفقة الصالحة التي تعينه إذا ضعف، وتذكره إذا نسي. فالمرء على دين خليله، والبيئة الإيمانية هي المحضن الذي تنمو فيه بذور التقوى.

خاتمة: الثمرة النهائية وفرحة اللقاء

إنَّ نهاية هذا السير المبارك هي الفوز برضوان الله والجنة. ليس هناك أهنأ من لحظةٍ يقال فيها للعبد: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي) [الفجر: 27-30].

ختامًا، إنَّ السير إلى الله لا ينقطع بانتهاء موسمٍ عبادي أو عمرٍ زمني، بل هو صبغة تلازم المؤمن في ليله ونهاره، في سمته وخلقه. فلنجعل من أنفسنا عبادًا ربانيين، نسعى بالخير بين الناس، ونحمل في قلوبنا نور الإيمان، وفي سلوكنا قيم الإسلام الوسطي الجميل، الذي يجمع بين عمارة الأرض وعبادة رب السماء. فاللهم ارزقنا صدق السير إليك، وحسن التوكل عليك، والوصول إلى جنتك ودار كرامتك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *