نظام ترامب العالمي يضع أوروبا أمام ساعة الحقيقة في مؤتمر ميونخ للأمن

نظام ترامب العالمي يضع أوروبا أمام ساعة الحقيقة في مؤتمر ميونخ للأمن

مؤتمر ميونخ للأمن: منصة المواجهة مع واقع جيوسياسي جديد

عشية انطلاق مؤتمر ميونخ للأمن، يخيم شبح “نظام ترامب العالمي” على العواصم الأوروبية، وسط تساؤلات وجودية حول مصير التحالفات التي صمدت لعقود. فمنذ الخطاب المزلزل الذي ألقاه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في النسخة السابقة للمؤتمر، والتي انتقد فيها سياسات الهجرة وحرية التعبير في القارة العجوز، لم تعد العلاقات عبر الأطلسي إلى سابق عهدها. لقد تحولت الصدمة الأولية إلى واقع سياسي مرير تعيشه أوروبا اليوم.

لقد نجحت إدارة ترامب في قلب الموازين الدولية، ليس فقط عبر فرض رسوم جمركية عقابية طالت الحلفاء قبل الخصوم، بل ومن خلال تحركات دبلوماسية وعسكرية غير مسبوقة، شملت الضغط في فنزويلا ومحاولات فرض تسوية في أوكرانيا تراها بروكسل منحازة لمصالح موسكو، وصولاً إلى التصريحات المثيرة للجدل حول ضم كندا كولاية أمريكية إضافية.

زلزال غرينلاند وتصدع جدار الناتو

تتصدر أزمة غرينلاند المشهد كأخطر نقطة تحول في العلاقات الأمريكية الأوروبية. إصرار دونالد ترامب على “ضرورة السيطرة” على الجزيرة التابعة للتاج الدنماركي لأغراض أمنية، لم يمر مرور الكرام. فقد اعتبرت الدنمارك أن أي مساس بسيادتها أو محاولة استيلاء عسكري سيمثل النهاية الفعلية لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، الذي شكل حجر الزاوية للأمن الأوروبي طوال 77 عاماً.

ورغم أن الأزمة خبت جذوتها مؤقتاً بسبب انشغال البيت الأبيض بملفات داخلية، إلا أن السؤال يظل معلقاً في أروقة مؤتمر ميونخ: هل تضررت الروابط الأمنية بشكل لا يمكن إصلاحه؟ يرى خبراء أن العلاقة لم تنهار كلياً، لكنها خضعت لعملية إعادة صياغة قسرية تتسم بالندية والبراغماتية المفرطة.

الاستراتيجية الوطنية للأمن: نداء صحوة مؤلم لأوروبا

جاءت الاستراتيجية الوطنية للأمن الأمريكي (NSS) الأخيرة لتعمق المخاوف الأوروبية، حيث طالبت واشنطن صراحة بأن تقف أوروبا على قدميها وتتحمل المسؤولية الرئيسية عن دفاعها. وصف مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) هذه الوثيقة بأنها “لحظة انقسام هائل”، فهي لا تكتفي بطلب زيادة الإنفاق العسكري، بل تروج لدعم حركات معارضة للتوجهات الحالية في الحكومات الأوروبية تحت ذريعة مكافحة “الإبادة الحضارية” الناجمة عن الهجرة.

السير أليكس يونغر، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات البريطاني (MI6)، أشار في تصريحات لبي بي سي إلى أن مطالب ترامب بتحمل أوروبا عبئاً أكبر ليست بلا أساس منطقي. فمن غير المتوازن أن تعتمد قارة تضم 500 مليون نسمة على حماية قارة أخرى تضم 300 مليون لمواجهة تهديدات روسيا، خاصة في ظل استنزاف الموارد الأمريكية وتغير الأولويات الاستراتيجية لواشنطن.

“رجال الهدم” واختبار نارفا: هل المادة الخامسة في خطر؟

تثير صوفي إيسنتراوت، من مؤتمر ميونخ للأمن، نقطة جوهرية تتعلق ببروز من تصفهم بـ “رجال الهدم”؛ وهم فاعلون سياسيون لا يسعون للإصلاح بل لهدم المؤسسات الدولية القائمة. هذا التوجه يضع “المادة الخامسة” من ميثاق الناتو تحت مجهر الاختبار. فهل ستهب إدارة ترامب للدفاع عن مدينة صغيرة مثل “نارفا” في إستونيا إذا تعرضت لتهديد روسي؟

هذا الشك في الالتزام الأمريكي، الممزوج بعدم القدرة على التنبؤ بتصرفات ترامب وازدراء إدارته لبعض الحلفاء مثل إسبانيا (بسبب ضعف إنفاقها الدفاعي)، يفتح الباب أمام حسابات خاطئة قد تكون كارثية. وفي حين تقود شخصيات مثل ماركو روبيو الوفد الأمريكي لميونخ، تبحث أوروبا بين الكلمات والوعود عن ضمانات حقيقية لم تعد تجدها في نصوص المعاهدات القديمة.

خاتمة: ميونخ كمنصة لرسم معالم المستقبل

بينما تنفق روسيا أكثر من 7% من ناتجها المحلي على الدفاع، تظل دول أوروبية كبرى تكافح للوصول إلى عتبة الـ 2%. هذا الاختلال، مضافاً إليه الانقطاع الأساسي عن استراتيجيات ما بعد الحرب العالمية الثانية القائمة على المؤسسات متعددة الأطراف، يجعل من مؤتمر ميونخ هذا العام مفصلياً. قد لا تسمع أوروبا ما تحب، لكنها بالتأكيد ستواجه الحقيقة العارية لنظام عالمي جديد لا يعترف إلا بالقوة والاعتماد على الذات.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *