الجزاء من جنس العمل: كيف تحدد معاملتك للناس مصيرك عند الله؟

مقدمة: الأخلاق الإسلامية ميثاق غليظ وقيم مطلقة

إن المتأمل في شريعة الإسلام الغراء يدرك يقيناً أن الأخلاق ليست مجرد رتوش تجميلية أو سلوكيات اختيارية يمارسها المرء متى شاء ويتركها متى شاء، بل هي قيم مطلقة، راسخة ثبات الجبال، لا تتبدل بتبدل المصالح المادية، ولا تتغير بتغير الأهواء البشرية. في المنظور الإسلامي، الصدق والعدل والأمانة والرحمة هي عبادات يتقرب بها العبد إلى ربه، وليست مجرد وسائل لتحقيق مكاسب دنيوية كما هو الحال في الفلسفات المادية والمذاهب الغربية النفعية.

إن المسلم حين يتخلق بالخلق الحسن، فإنه يستحضر النية الصالحة، طمعاً في ثواب الله وخوفاً من عقابه، مدركاً أن كل حركة وسكنة في تعامله مع الخلق مرصودة عند الخالق. فالصدق والوفاء والسماحة قيم يُحمد صاحبها في الدنيا ويُجزى عليها في الآخرة، بينما الكذب والظلم والخيانة والقسوة أخلاق مذمومة تورث صاحبها الذم في الدنيا والإثم والوعيد في الآخرة.

قاعدة ربانية: الجزاء من جنس العمل

من أعظم قواعد العدل الإلهي التي أرساها الله سبحانه وتعالى في كونه هي قاعدة “الجزاء من جنس العمل”. فالله عز وجل يعامل عباده في الدنيا والآخرة بحسب معاملتهم لخلقه؛ إحساناً بإحسان، أو سوءاً بسوء. وقد حذر الله تعالى المؤمنين من إيذاء بعضهم البعض، فقال سبحانه في محكم التنزيل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [الأحزاب: 58].

وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ…» (رواه الشيخان). فهذا الحديث ليس مجرد تعريف للمسلم، بل هو ميثاق أخلاقي يربط سلامة دين المرء بسلامة الناس من أذاه. وإن من عدل الله ألا يظلم أحداً، بل يجازي كل نفس بما كسبت، كما قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [يونس: 44].

تتبع العورات وفضيحة الناس: الجزاء بالخزي

من أخطر ما يقع فيه البعض هو الاشتغال بعيوب الناس وتتبع عوراتهم والسعي في فضيحتهم بين الورى. هؤلاء الذين يتلذذون بكشف المستور ونشر الزلات، توعدهم الله بعقوبة من جنس فعلهم. فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَةَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَةَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» (رواه الترمذي).

انظروا يا رعاكم الله إلى دقة الجزاء؛ فمن ستر مسلماً ستره الله، ومن هتك ستر أخيه هتك الله ستره، بل وفضحه في عقر داره وأمام أهله، ليكون عبرة للمعتبرين.

استغلال أعراض المسلمين للمصالح الدنيوية

هناك صنف من الناس يبيع دينه بعرض من الدنيا زائل، فيتقرب إلى ذوي الجاه والمال بالنيل من أعراض المسلمين، أو يظهر بمظهر الصلاح والتقوى ليخدع الناس ويقتنص أموالهم. هؤلاء توعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بعقوبات مخزية في نار جهنم.

عن المستورد بن شداد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً، فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ مِثْلَهَا مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنِ اكْتَسَى بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ثَوْبًا، فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ بِهِ مَقَامَ سُمْعَةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (رواه أحمد).

ومعنى “مقام سمعة” كما أوضح العلماء: هو من يظهر الصلاح والتقوى رياءً ليحوز ثقة الناس ويستخدم ذلك كـ “حبال ومصيدة” لنيل المال والجاه. فالله عز وجل يفضحه يوم القيامة ويظهر كذبه على رؤوس الأشهاد، جزاءً وفاقاً لخداعه ومكره.

الإضرار بالناس والمشاقة عليهم

إن الذي يسعى لإلحاق الضرر بالآخرين بغير حق، أو يتعمد تضييق الخناق عليهم وإدخال المشقة إلى نفوسهم، يفتح على نفسه باباً من العذاب الإلهي. فعن أبي صرمة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» (رواه أبو داود والترمذي).

وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَارَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ» (رواه الحاكم). إنها معادلة واضحة لا لبس فيها: من أدخل مضرة في مال أو نفس أو عرض، جازاه الله من جنس فعله وأدخل عليه المضرة والمشاقة في حياته وآخرته.

مسؤولية الولاة والحكام تجاه الرعية

هذه القاعدة الربانية تنسحب أيضاً على أصحاب المسؤوليات والمناصب. فمن ولي أمراً من أمور المسلمين فاحتجب عن حوائجهم، أو أغلق بابه في وجوه الضعفاء والمحتاجين، فإن الله سيعامله بالمثل يوم لا ينفع مال ولا بنون.

عن أبي مريم الأزدي قال: «دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلَانٍ… فَقُلْتُ: حَدِيثًا سَمِعْتُهُ أُخْبِرُكَ بِهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ، احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ». وفي رواية الإمام أحمد: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَاحْتَجَبَ عَنْ أُولِي الضَّعَفَةِ وَالْحَاجَةِ احْتَجَبَ اللَّهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

حرمة الأموال والأراضي والجزاء على الغدر

أموال الناس محترمة ومصانة، ولا يحل منها شيء إلا بطيب نفس. ومن غدر بالناس في أموالهم، فإن الله له بالمرصاد. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ» (رواه البخاري).

وكذلك من يفتح على نفسه باب المسألة تكثراً وخداعاً، يعاقبه الله بالفقر؛ «لَا يَفْتَحُ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ…» (رواه أحمد).

أما غصب الأراضي والظلم في العقارات، فله عقوبة تقشعر لها الأبدان؛ فعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الْأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» (رواه البخاري). والمعنى أن من استولى على شبر من الأرض ظلماً، طوقه الله إياه يوم القيامة من سبع أرضين، فيكون حملاً ثقيلاً وعذاباً وبيلاً يحيط بعنقه.

التفاخر الكاذب والتعلق بغير الله

من يتظاهر بما ليس فيه ليفاخر الناس، أو يدعي فضلاً لم يؤته، يعامل بنقيض قصده. قال صلى الله عليه وسلم: «مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً…» (رواه مسلم). وقال أيضاً: «الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَا يَمْلِكُ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ». فكل من ادعى علماً أو مالاً أو نسباً كذباً، سلب الله منه البركة وجازاه بالنقص والذلة.

ومن أخطر الأمور التوحيدية المرتبطة بهذا الباب هو التعلق بالمخلوقين. فمن تعلق بشيء من دون الله، وكله الله إليه، وذاق طعم الخذلان؛ لحديث: «مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ أَوْ عَلَيْهِ» (رواه أحمد).

تعذيب الناس وعاقبته الوخيمة

إن الله رحيم بعباده، وهو يغضب لمن يعذب خلقه بغير حق. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا» (رواه مسلم). وهذا وعيد شديد لكل من تسول له نفسه ممارسة القهر أو التعذيب الجسدي أو النفسي ضد عباد الله.

خاتمة وتوجيه: كن محسناً أو كف الأذى

يا عباد الله، إن حقوق الناس مبنية على المشاحة والمطالبة، والله تعالى لا يترك حقاً لمخلوق عند مخلوق إلا واقتص له. فالموفق من عامل الخلق بالإحسان، طمعاً في إحسان الخالق. فإن عجزت عن نفع الناس والإحسان إليهم، فلا أقل من أن تكف أذاك عنهم؛ فإن كف الأذى صدقة تتصدق بها على نفسك.

تذكر دائماً أن الله لك كما تكون أنت لخلقه؛ فمن رحم رحم، ومن عفا عفي عنه، ومن شق شق الله عليه. فلينظر كل منا في صحيفته ومعاملاته، وليستغفر الله مما مضى، وليصلح ما بقي.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. وصلوا وسلموا على نبيكم محمد صلى الله عليه وسلم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *