نعمة الأمن وحفظ النفوس والأرواح

{
“title”: “نعمة الأمن وحفظ النفوس: ركيزة الإيمان وضرورة الحياة”,
“focus_keyword”: “نعمة الأمن”,
“meta_description”: “تعرف على عظمة نعمة الأمن في الإسلام وحرمة الدماء المعصومة، وكيف جعلت الشريعة حفظ النفس من الضروريات الخمس لتحقيق استقرار المجتمعات وازدهارها.”,
“tags”: “نعمة الأمن, حفظ النفوس, مقاصد الشريعة, حرمة الدماء, الأمن في الإسلام, فقه الجنايات, السلم المجتمعي”,
“content”: “# نعمة الأمن وحفظ النفوس والأرواح: رؤية شرعية ومقاصديةnnإن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، والصلاة والسلام على من بُعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:nnإن المتأمل في ملكوت الله، والناظر في أحوال الخلق، يدرك يقيناً أن نعمة الأمن هي من أجلّ النعم وأعظمها، بل هي الركيزة التي لا تستقيم بدونها حياة، ولا يهدأ بها بال. لقد قرر أهل العلم وذوو العقول الراجحة أنه ليس بعد نعمة الإيمان بالله عز وجل نعمة أعظم من نعمة الأمن التي يمنّ بها الخالق على الأوطان والبلدان والإنسان.nn## الأمن والإيمان: تلازم لا ينفكnnكما امتن الله سبحانه وتعالى على عباده بنعمة الهداية للإيمان، فقال عز من قائل: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات:17]، فإنه كذلك امتن عليهم بنعمة الأمن. فالعلاقة بين الأمن والعبادة علاقة وثيقة؛ إذ لا يمكن للعبد أن يقيم شعائر دينه، ولا أن يطمئن في صلاته وتسبيحه، إلا في ظل أمن وارف وظلال مستقرة. nnإن حياة الناس لا تصلح، ومعايشهم لا تزدهر إلا بوجود الأمن؛ فإذا رُفع الأمن من مجتمع، رُفعت معه سعادة العباد، وتبدد رخاء البلاد، وحلّ مكانه الخوف الذي يقطع القلوب، والجوع الذي ينهك الأبدان، والنهب والسرقة، وانتهاك الأعراض، وضياع الحقوق والأموال، وفشو الخراب والدمار. إن الأمن هو السياج الذي يحمي المكتسبات، وهو الروح التي تسري في جسد الأمة لتبعث فيها الأمل والنماء.nn## الأمن في القرآن الكريم: مطلب الأنبياء ومنحة الأتقياءnnلم يكن غريباً أن يكون الأمن هو المطلب الأول والأساسي للمخلصين لبلدانهم وأهليهم. انظروا إلى خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، حين دعا ربه واضعاً حجر الأساس لبناء أعظم بقعة على وجه الأرض، فماذا طلب؟ قال: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة:126]. لقد قدم طلب الأمن على طلب الرزق، لعلمه أن الرزق بلا أمن لا يُهنأ به.nnوالله جل جلاله يمتن على عباده بهذه النعمة في مواضع كثيرة من كتابه العزيز، فيقول في سورة قريش: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} [قريش:3-4]. فانظر كيف قرن بين نعمة الإطعام ونعمة الأمن، وجعلهما سبباً موجباً لعبادته وحده لا شريك له. nnوفي سورة العنكبوت، يذكّر الله قريشاً بنعمته عليهم في وسط بيئة مضطربة، فيقول: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ۚ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ} [العنكبوت:67]. هذه الآيات وغيرها الكثير تدل دلالة قطعية على أن الأمن هو النعيم الدنيوي الذي لا يضاهيه نعيم.nnبل إن الله عز وجل جعل الأمن هو السمة الغالبة على نعيم أهل الجنة في الآخرة، ليعلمنا أن كمال السعادة في كمال الأمن؛ فلا خوف يطرق قلوبهم، ولا فزع يقطع أنسهم. قال تعالى: {ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ} [الحجر: 46]، وقال سبحانه: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} [سبأ:37].nn## مفهوم الأمن في السنة النبويةnnلقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم مقومات الحياة السعيدة في كلمات جامعة مانعة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها» (رواه الترمذي والبيهقي). nnتأملوا هذا الترتيب النبوي العجيب: بدأ بالأمن «آمناً في سربه»، ثم الصحة «معافى في بدنه»، ثم الرزق الكفاف «عنده قوت يومه». فمن ملك هذه الثلاث، فقد ملك الدنيا كلها. وهذا يؤكد أن انتشار الأمن هو مطلب من أهم مطالب الحياة، وضرورة قصوى لا تتحقق مصالح العباد والبلاد إلا بوجودها، ولا تسعد النفوس إلا بازدهارها.nn## مقاصد الشريعة وحفظ الضروريات الخمسnnجاءت الشريعة الإسلامية الغراء بمنهج شامل يهدف إلى تحقيق مصالح العباد في العاجل والآجل. ومن أهم قواعدها ومقاصدها العامة حفظ الأمن العام من خلال حماية الضروريات الخمس التي لا تنعقد معيشة الناس ولا تستقيم أحوالهم إلا بحفظها، وهي:n1. حفظ الدين: وهو الغاية من الخلق.n2. حفظ النفس: وهي محل التكريم الإلهي.n3. حفظ العقل: وهو مناط التكليف.n4. حفظ العرض (أو النسل): وهو صمام أمان المجتمع.n5. حفظ المال: وهو عصب الحياة وقوامها.nn## الشريعة وحرمة النفوس: تحذير من التهاونnnإن من أشد ما يؤلم في زماننا هذا هو التهاون المستشري في مسألة الدماء المحرمة، وإزهاق النفوس المعصومة، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة. لقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الانفلات وجعله علامة من علامات قرب الساعة وفشو الفتن. ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، قالوا وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل.. القتل».nnإن الشريعة لم تكتفِ بتحريم القتل فحسب، بل منعت كل ما يؤدي إليه أو يروع الآمنين. فترويع المسلم ممنوع شرعاً، كما روى الإمام أحمد والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لمسلم أن يروع مسلما». nnأما إشهار السلاح في وجه المسلم، فهو جريمة شنعاء تخرج صاحبها عن هدي النبوة، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «من حمل علينا السلاح فليس منا». بل إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل قتال المسلم نوعاً من الكفر الأصغر المخرج عن سمات المؤمنين، فقال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر».nnوحتى في لحظات المزاح والدعابة، نهى الإسلام عن الإشارة بالسلاح؛ سداً للذريعة وصيانة للأرواح. قال صلى الله عليه وسلم: «لا يشر أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري لعل الشيطان ينزع في يده فيقع في حفرة من النار» (متفق عليه). وفي رواية لمسلم: «من أشار إلى أخيه بحديده فإن الملائكة تلعنه حتى يدعها، وإن كان أخاه لأبيه وأمه».nnيقول الإمام النووي رحمه الله معلقاً: “هذا مبالغة في بيان عموم النهي من كل أحد، سواء من يتهم أو لا يتهم، وسواء كان هزلاً ولعباً أم لا؛ لأن ترويع المسلم حرام بكل حال”. فإذا كان هذا الوعيد واللعن لمجرد الإشارة والترويع، فكيف بمن يسفك الدماء ويزهق الأرواح؟!nn## عقوبة قتل النفس المعصومة في الإسلامnnإن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق هو من أعظم الموبقات وأكبر الكبائر التي توعد الله فاعلها بأشد العقوبات. قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء:93]. nnإنها ورطة ليس بعدها ورطة، وضيق ليس له مخرج. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما» (رواه البخاري). ومعناه أن المؤمن مهما ارتكب من ذنوب، فإن باب الرجاء والفسحة في الدين يظل واسعاً، إلا إذا تلطخت يداه بالدم الحرام، فإنه يضيق على نفسه ويحبسها في وعيد الله.nnويؤكد هذا المعنى الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بقوله: “إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها، سفكَ الدم الحرام بغير حله”. nnوتأملوا هذا المشهد المهيب يوم القيامة، كما يرويه ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «يأتي المقتول بدمه متعلقا رأسه بإحدى يديه متلببا قاتله باليد الأخرى يشخب أوداجه دما حتى يأتي به العرش فيقول لرب العالمين هذا قتلني فيقول الله للقاتل تعست ويذهب به إلى النار».nn## شمولية الحفظ لكل نفس آمنةnnإن حفظ النفوس في الإسلام لا يقتصر على المسلمين فحسب، بل يشمل كل نفس تعيش في كنف المسلمين بأمان وعهد. ففي صحيح البخاري قال صلى الله عليه وسلم: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما». nnوعن رفاعة بن شداد قال: كنت أقوم على رأس المختار بن عبيد الكذاب فلما تبينت كذبه هممت والله أن أسل سيفي فأضرب به عنقه، حتى ذكرت حديثا حدثنا به عمرو بن الحَمِق قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أمن رجلا على نفسه فقتله أُعطي لواء الغدر يوم القيامة» (رواه أحمد والنسائي). وفي لفظ آخر بسند صحيح: «من ائتمن رجلا على دمه فقتله فأنا منه بريء، وإن كان المقتول كافرا».nn## لا عذر في القتل: قاعدة الإكراهnnتعظيماً لحق الحياة، لم يجز الشارع الحكيم لأحد أن يقتل نفساً معصومة تحت ذريعة الإكراه. فلو هُدد إنسان بالقتل ليقتل غيره، فلا يجوز له ذلك بإجماع الأمة؛ لأن نفسه ليست بأولى من نفس غيره. nnيقول القاضي ابن العربي المالكي في “أحكام القرآن”: “إن القادر الظالم إذا قال لرجل: إن لم تفعل كذا وإلا قتلتك… فله أن يقدم على الفعل… إلا في القتل، فلا خلاف بين الأمة أنه إذا أكره عليه بالقتل أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره؛ ويلزمه أن يصبر على البلاء الذي ينزل به”. ومن أقدم على القتل مكرهاً، فعليه الإثم ويجب عليه القصاص هو ومن أكرهه عند جمهور الفقهاء.nn## خاتمة ونداءnnيا عباد الله، إن الأمن أمانة في أعناق الجميع، وحفظ النفوس هو صمام الأمان لبقاء الأمة وقوتها. فعلى كل مسلم يرجو الله واليوم الآخر أن يكف يده عن الدماء، وأن يعصم نفسه من الوقوع في هذه الورطة العظيمة. لنعمل

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *