خارطة طريق الاندماج: تفاصيل الاتفاق التاريخي بين دمشق و"قسد"
دخلت الأزمة السورية منعطفاً حاسماً مع بروز ملامح مرحلة جديدة في الشمال الشرقي، حيث انتقلت العلاقة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مربع الاشتباك والقطيعة إلى مسار التوافق والاندماج. هذا التحول، الذي جاء برعاية إقليمية ودولية، يضع ملف السيادة الوطنية ووحدة الأراضي السورية كأولوية قصوى للمرحلة المقبلة.
بنود الاتفاق: نحو "دولة واحدة وجيش واحد"
يقوم جوهر الاتفاق الموقع في يناير/كانون الثاني الماضي على إنهاء أي صيغ انفصالية أو فدرالية، والبدء بخطوات عملية لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية التابعة لـ "قسد" ضمن هيكلية الدولة السورية. وأبرز ما تم تنفيذه أو الاتفاق عليه يشمل:
- إعادة الانتشار العسكري: انسحاب وحدات الجيش السوري من محيط القامشلي والحسكة مقابل انتشار قوى الأمن الداخلي.
- السيادة الاقتصادية: تسليم حقول النفط والمعابر الحدودية في محافظة الحسكة بالكامل للحكومة المركزية.
- التسويات الأمنية: إفراج وزارة الداخلية السورية عن منتسبي "قسد" الذين سلموا أنفسهم، في بادرة لبناء الثقة.
- الإدارة المحلية: تكليف "نور الدين عيسى"، مرشح قسد، بمنصب محافظ الحسكة رسمياً.
ملف النفط والموارد: عودة الشريان الاقتصادي
تعد سيطرة الحكومة السورية على حقول النفط في الحسكة ومحيطها خطوة استراتيجية لتعزيز الاستقرار المالي. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان إدارة الموارد الطبيعية تحت إشراف مركزي، مما ينهي عهد الإدارات الموازية ويوفر التمويل اللازم للخدمات العامة في تلك المناطق.
تحديات دمج السلاح والمؤسسات العسكرية
يبقى ملف السلاح هو الأكثر تعقيداً؛ فبينما يشدد الخطاب الرسمي على مبدأ "الجيش الواحد"، تتجه الأنظار نحو كيفية دمج تشكيلات "قسد" التي تمتلك ترسانة متنوعة تشمل:
- مدرعات وعربات "أوشكوش" أمريكية الصنع.
- منظومات صواريخ مضادة للدروع مثل "تاو" و"جافلين".
- صواريخ "كورنيت" روسية الصنع.
حتى الآن، يتم التعامل مع الدمج كعملية مرحلية تخضع للتقييم المستمر، دون إعلان جداول زمنية نهائية لتسليم الأسلحة الثقيلة.
الموقف الإقليمي: دعم تركي وتنسيق مستمر
في تحول لافت، أبدى وزير الدفاع التركي "يشار غولر" دعماً لمسار توحيد سوريا تحت راية جيش واحد، معتبراً أن ترسيخ سيادة الدولة السورية هو الضمان الأمثل لأمن الحدود التركية. كما تضمن الاتفاق بنداً حساساً يقضي بإخراج عناصر حزب العمال الكردستاني (غير السوريين) من المنطقة لضمان عدم استغلالها كقاعدة لعمليات خارجية.
مستقبل "قسد" والانسحاب الأمريكي
يرتبط نجاح اتفاق الحكومة السورية وقسد بشكل وثيق بوتيرة الانسحاب العسكري الأمريكي من سوريا. فمع تزايد التنسيق السوري-التركي وتراجع هامش المناورة أمام القيادات الكردية، يبدو أن خيار الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة هو المسار الوحيد المتاح لتجنب مواجهات عسكرية جديدة وإعادة رسم خريطة النفوذ بما يخدم استقرار البلاد بعد عقد من النزاع.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً