ميزان اليوم: كيف تحول لحظاتك العادية إلى تجارة رابحة مع الله؟

# ميزان اليوم: رؤية إيمانية في فلسفة الوقت والعمل

إنّ من أعظم الأمانات التي طُوّق بها الإنسان في رحلته الأرضية هي أمانة الوقت، هذا السيال الذي ينسلّ من بين أصابعنا دون أن نشعر. ولعلَّ من أدقّ ما يُغفل عنه الإنسان في زحام أيّامه المتلاحقة، وضجيج حياته الصاخب، أنّ اليوم الذي يعيشه ليس مجرد وعاءٍ زمنيّ تُصبُّ فيه الأحداث والوقائع، بل هو في الحقيقة مِيزانٌ دقيق، تُوزن فيه النيّات قبل أن توزن فيه الأعمال، وتُحصى فيه الخواطر والهمسات قبل أن تُحسب فيه الخطوات والكلمات.

حقيقة اليوم: ميزان لا وعاء

حين يستيقظ المرء مع إشراقة شمسٍ جديدة، فإنه لا يفتح صفحة زمنية فحسب، بل يدخل مضماراً دقيقاً من المحاسبة الإلهية واللطف الرباني. نحن نتقلّب في ساعاتٍ معدودة بين أحوالٍ شتّى؛ تارةً يغرقنا الانشغال، وتارةً يقتلنا الفراغ، لحظةً يغمرنا السرور، ولحظاتٍ يداهمنا الكدر، وبين نشاطٍ يبعث على العمل وفتورٍ يثقل الكاهل، يجري كل ذلك تحت سمع الله وبصره سبحانه.

إنّ العقيدة الراسخة تقتضي من المؤمن أن يدرك أنَّ الله لا يغيب عنه من عبده التفاتةُ قلبٍ نحو خاطرٍ معيّن، ولا تنهيدةُ تعبٍ صعدت من صدرٍ مجهد. كل حركة وسكون هي في ميزان الله معلومة، وفي كتاب الأقدار مرسومة، مما يجعل من استثمار الوقت في الإسلام قضيةً وجودية لا مجرد تنظيمٍ للجداول.

اللطف الخفي في طيات الساعات

وإذا تأمّل المرء المتدبّر تفاصيل يومه بعين البصيرة لا بعين البصر، لرأى عجباً. رأى كيف يسوق الله إليه تفاصيل دقيقة لم يكن ليحسب لها حساباً، وكيف يصرف عنه من السوء والشرور أموراً لم يشعر يوماً بخطرها المحدق به. إننا نعيش في غمرةٍ من النِعَمٍ الخفيّة التي تكتنفنا من كل جانب، ولو كُشف للمرء الغطاء عن بعض هذا اللطف الذي يحيطه في يومه الواحد، لخرَّ لله ساجداً شاكراً طول عمره.

غير أنّ كثرة الحركة، والركض المتواصل خلف لقمة العيش أو بريق الدنيا، تُلهينا عن رؤية هذا اللطف المتتابع. فنحن، في غفلتنا، نحسب اليوم مجرّد ضغطٍ نفسي أو رتابةٍ مملة، وننسى في غمرة هذا الشعور أنَّ اليوم هو ساحةُ ابتلاءٍ كبرى، وفرصةُ ربحٍ عظيمة لا تعوض. إن كل دقيقة تمر هي لبنة في بناء آخرتك، فإما أن ترفع بها صرحاً، وإما أن تتركها هباءً منثوراً.

تحويل العادات إلى عبادات: فلسفة النية

هنا تبرز عظمة الإسلام في صياغة مفهوم العمل؛ فالفراغ الذي يسميه الناس مللاً ويشكون من ثقله، قد يكون في حقيقته باب خلوةٍ عامرة مع الله لو أحسن العبد استثماره وتوجه فيه بقلبه إلى ربه. والانشغال الذي يسميه الناس ضغطاً وإرهاقاً، قد ينقلب ليصير عبادةً ممتدّةً متصلة الأجر لو صَحِبتْه نيّةٌ صادقة، بأن يكون هذا التعب في سبيل عفة النفس، أو كفاية الأهل، أو نفع المسلمين.

إن الفرق بين العادة والعبادة هو “النية”. النية هي الإكسير الذي يحول التراب ذهباً، وهي التي تجعل من نوم المؤمن راحةً للتقوي على الطاعة، ومن طعامه وقوداً لذكر الله. وما بين هذا وذاك، يمضي اليوم على الناس جميعًا بليله ونهاره، لكنّه أبداً لا يترك في صحائفهم الأثر ذاته، فالمسافات بين القلوب تتباين بتباين المقاصد.

أصناف الناس في مضمار اليوم

في هذا الميزان اليومي، ينقسم الناس إلى أصناف ثلاثة، كلٌ يغدو فبائعٌ نفسه فمعتقها أو موبقها:

1. المفرطون: وهم ثَمَّ من يُفرّط في يومه حتى ينقضي بلا معنى، تذهب ساعاته في القيل والقال، وفي تتبع الفضول، وفي غفلة مطبقة، فيخرج من يومه صفر اليدين، كمن أضاع كنزاً ثميناً في سوق لا يُرد فيه الفائت.
2. المندفعون بلا وجهة: وثَمَّ من يملؤه حركةً وصخباً، لكنها حركة لا وجهة لها ولا غاية سامية تحركها. هو ينجز في الظاهر، لكن قلبه فارغ من استحضار معية الله، فتكون أعماله كسراب بقيعة لا وزن لها في ميزان الآخرة.
3. التجار مع الله: وثَمَّ من يجعل كلّ لحظةٍ في يومه تجارةً مع الله؛ وهذا هو الفطن الكيس. هو الذي يستعين بالله إذا ثقلت عليه التكاليف، ويشكره بقلبه وجوارحه إذا يَسَّر له الأمور، ويُهرع إلى الاستغفار إذا زلّت به القدم، ويُسارع إلى كل باب طاعة يلوح له، بينما يُعرض عن المعصية إذا أطلّت برأسها، وكأنّه لم يرها ترفعاً وحياءً من الله.

الرابح الحقيقي: ميزان الوجهة لا الصورة

وهنا، وفي ختام هذا المشهد اليومي، يظهر الرابح حقًّا. والربح هنا ليس كما يتوهمه البعض؛ فليس الرابح من خلا يومه من التعب والنصب، ولا من امتلأ يومه بالإنجازات الدنيوية الظاهرة التي يشار إليها بالبنان. بل الرابح هو من عبد الله على حاله كلّه، في منشطه ومكرهه، في يسره وعسره.

إن الذكاء الإيماني يكمن في جعل تقلّب المشاعر، وتبدّل الظروف من حال إلى حال، مادّةً للقرب من الله لا سبباً للغفلة عنه. فإذا حزن لجأ إلى ربه، وإذا فرح شكر خالقه، وإذا ضاق به الأمر علم أن الفرج بيد الله وحده.

فالميزان الحقيقي ليس في “صورة اليوم” وما اعتراها من أحداث، بل في “وجهة القلب” خلال تلك الأحداث. ومن وُفّق من الله عز وجل لأن يجعل يومه كله لله، يبتغي به وجهه، فقد خرج من هذا اليوم وقد رُبح ربحاً عظيماً، وفاز فوزاً كبيراً، وإن ظنّ الناس من حوله أنّه كان مجرد يومٍ عاديٍّ عابر كغيره من الأيام.

إنها دعوة لكل قلب أن يعيد النظر في ميزانه، وأن يجعل من استثمار الوقت في الإسلام منهج حياة، فاليوم الذي يمضي لن يعود، والصحيفة التي تُطوى لن تُفتح إلا يوم القيامة، فلينظر كل واحد منا ماذا أودع في ميزان يومه.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *