أنتولوجيا السيادة بالاستغناء: الإمام ابن المبارك وفلسفة التحرر من المادة

مدخل إلى فقه الاستغناء: حين تتحرر الروح من أسر المادة

في عالمٍ باتت فيه المادة هي القبلة التي تتجه إليها الأبصار، وتغول فيه الاستهلاك حتى صار معياراً للقيمة الإنسانية، تبرز الحاجة ملحة لاستحضار نماذج استثنائية استطاعت أن تكسر قيود «الجاذبية الأرضية» للمال والجاه، لترتقي إلى آفاق السيادة الحقيقية. إنها «السيادة بالاستغناء»؛ ذلك المفهوم الذي يجعل من استغناء العبد عما في أيدي الناس طريقاً وحيداً لعزته وسيادته. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ) [العلق: 6-7]، وهنا مكمن الخطر؛ أن يظن الإنسان أن استغناءه بالمال يمنحه السيادة، بينما السيادة الحقيقية هي الاستغناء بالله، ومن ثَمَّ التحرر من سطوة الأشياء.

إن دراسة سيرة الإمام عبد الله بن المبارك (ت 181هـ) ليست مجرد استعراض تاريخي لشخصية عاشت في القرن الثاني الهجري، بل هي دراسة في «فيزياء التحرر»؛ كيف يمكن للعالم أن يكون تاجراً ثرياً، ومجاهداً مرابطاً، ومحدثاً فقيهاً، ومع ذلك يظل قلبه حراً لا يستعبده درهم ولا يذله سلطان؟ لقد صاغ ابن المبارك معماراً فريداً للعزة العلمية، بُنيت أعمدته على الزهد الواعي الذي لا يعني الفقر، بل يعني أن تكون الدنيا في يدك لا في قلبك.

معمار العزة العلمية: فلسفة القوة عند ابن المبارك

لقد كان ابن المبارك يرى أن العلم لا يؤتي ثماره إلا إذا اقترن بالاستغناء. كان يقول: «من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته». إن هذا التوازن الدقيق هو ما نطلق عليه «أنتولوجيا السيادة»؛ حيث تتشكل هوية العالم من خلال استقلاله المادي والروحي. لقد كان ابن المبارك ينفق مائة ألف درهم سنوياً على الفقراء والعلماء، وكان يقول: «لولا هؤلاء ما اتجرت»، يقصد بذلك أنه يتاجر ليصون وجوه أهل العلم عن أبواب السلاطين.

هذا المنهج هو تجسيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ» (متفق عليه). فعندما تتحرر النفس من الرغبة فيما يملكه الآخرون، تتحول إلى طاقة سيادية قادرة على قول الحق وتغيير الواقع. ابن المبارك لم يكن زاهداً لفقر، بل كان زاهداً عن قدرة، وهذا هو أعلى مراتب الزهد وأقواها أثراً في بناء الشخصية الإسلامية الصلبة.

فيزياء التحرر: كيف تصنع المادة قيداً؟ وكيف يكسره الاستغناء؟

يمكننا القول إن العلاقة بين الإنسان والمادة تخضع لقوانين تشبه القوانين الفيزيائية؛ فكلما زاد «ارتباط» القلب بالمادة، زادت «كتلته» الروحية ثقلاً، مما يمنعه من التحليق في فضاءات العزة. أما الاستغناء، فهو يعمل كقوة طاردة مركزية تخلص الروح من شوائب الطمع. يروى أن ابن المبارك سُئل: من الملوك؟ قال: «الزهاد»، قيل له: فمن السفلة؟ قال: «الذي يأكل بدينه».

  • التحرر من سلطة المال: لم يكن المال عند ابن المبارك غاية، بل كان وسيلة لحماية بيضة العلم.
  • التحرر من سلطة الجاه: كان يفر من الشهرة فراراً، حتى إنه إذا عُرف في مدينة رحل عنها.
  • التحرر من الخوف: إن الاستغناء يورث الشجاعة؛ فمن لا يريد شيئاً من الحاكم، لا يخشى بطشه.

لقد جسد ابن المبارك قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70]؛ فالتكريم الإلهي يقتضي ألا ينحني هذا المخلوق المكرم لمخلوق مثله من أجل حطام زائل. إن مأساة الكثير من المثقفين والعلماء في العصور المتأخرة كانت في «الارتهان المادي» الذي أدى بالضرورة إلى «الارتهان المعرفي»، ففقدت الكلمة بريقها وقوتها التأثيرية.

ابن المبارك: مدرسة في التوازن بين العمل والعبادة

من العجيب في سيرة هذا الإمام أنه لم ينقطع في صومعة، بل كان رجلاً «ميدانياً» بامتياز. كان عاماً يحج، وعاماً يغزو في سبيل الله، وعاماً يتاجر. هذا التنوع يكسر الصورة النمطية للعابد المنعزل. إن «معمار العزة» لديه كان يقوم على فكرة أن المؤمن القوي هو الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، ويكون متفوقاً في مجالات الحياة الدنيا لينصر بها الدين.

وفي رحلاته، كان يضرب أروع الأمثلة في الكرم؛ حيث كان يتكفل بنفقات رفاقه جميعاً، فإذا عادوا من الحج، اشترى لكل واحد منهم هدايا لأهله من ماله الخاص. إن هذا النوع من الاستغناء هو «استغناء إيجابي»؛ فهو لا يكتفي بعدم الطلب، بل يبادر بالعطاء. وهنا نلمس روح الحديث النبوي: «اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى» (رواه البخاري). اليد العليا هي المعطية المستغنية، واليد السفلى هي السائلة المرتهنة.

العزة العلمية في مواجهة الانكسار المعاصر

نحن اليوم نعيش في زمن «الشيئية»، حيث يُقاس الإنسان بما يملك لا بما يحمل من قيم. إن استحضار نموذج ابن المبارك هو دعوة لإعادة بناء «الكيان المستقل» للمسلم المعاصر. إن العزة التي نتحدث عنها ليست غطرسة ولا كبراً، بل هي وقار العلم وأنفة الإيمان. هي تلك الحالة التي وصفها الله تعالى بقوله: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8].

إن طالب العلم، والمفكر، والمثقف، وحتى الموظف البسيط، يحتاج إلى جرعة من «استغناء ابن المبارك»؛ لكي لا يبيع مبادئه بلقمة عيش، ولكي لا يحابي باطلاً من أجل مصلحة متوهمة. السيادة بالاستغناء هي «تكنولوجيا نفسية» تمكن الإنسان من التحكم في رغباته بدلاً من أن تتحكم هي فيه.

خاتمة: نحو فيزياء جديدة للروح

إن خلاصة التجربة المباركية في سيرة عبد الله بن المبارك تخبرنا أن التحرر من المادة هو بوابة السيادة، وأن العلم لا يكون عزيزاً إلا إذا كان صاحبه غنياً بالله، مستغنياً عن خلقه. إننا بحاجة إلى تحويل هذا المفهوم إلى واقع عملي، من خلال تعزيز قيم الكفاية، والنزاهة، والعمل الدؤوب الذي يوفر للمسلم استقلاله المادي، مما يمنحه الحرية الكاملة في التعبير عن دينه ومبادئه.

رحم الله الإمام عبد الله بن المبارك، الذي علمنا أن «العزة العلمية» ليست في حفظ المتون فحسب، بل في صون تلك المتون بقلبٍ لم يسجد يوماً لغير الله، وبيدٍ لم تمتد يوماً إلا لعطاء. ولنجعل شعارنا دائماً ما قاله الصالحون: «استغنِ عمن شئت تكن نظيره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، وأحسن إلى من شئت تكن أميره».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *