الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف: تحول استراتيجي في الجنوب بعد انسحاب القوات الأمريكية

الجيش السوري يتسلم قاعدة التنف: تحول استراتيجي في الجنوب بعد انسحاب القوات الأمريكية

مشهد جديد على الحدود: دمشق تملأ الفراغ العسكري في التنف

في خطوة تعكس التغيرات الجذرية في الخارطة العسكرية والسياسية السورية، أعلنت وزارة الدفاع السورية يوم الخميس عن تسلمها الرسمي لقاعدة التنف الاستراتيجية الواقعة في المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق. جاء هذا الإعلان غداة انسحاب كامل للقوات الأمريكية التي كانت تتمركز في القاعدة كجزء من مهام التحالف الدولي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

وأكدت الوزارة في بيان رسمي أن وحدات الجيش العربي السوري بدأت بالفعل الانتشار في محيط القاعدة وتأمين المناطق الحدودية المحاذية، وذلك بالتنسيق مع الجانب الأمريكي لضمان انتقال سلس للموقع ومنع حدوث أي فراغ أمني قد تستغله الخلايا الإرهابية في منطقة البادية.

تفاصيل الانسحاب الأمريكي وجهة التمركز الجديدة

كشفت مصادر عسكرية ميدانية أن عملية الانسحاب الأمريكي من التنف لم تكن مفاجئة، بل بدأت فعلياً قبل نحو أسبوعين من تاريخ الإعلان الرسمي. وأوضحت المصادر أن القوات المنسحبة اتجهت بالكامل نحو قاعدة “البرج” في الأراضي الأردنية. ومع ذلك، تشير التقارير إلى استمرار نوع من التنسيق اللوجستي بين القوات المتمركزة في الأردن والسلطات في قاعدة التنف لمتابعة الأهداف المشتركة المتعلقة بمكافحة الإرهاب.

يُذكر أن القوات الأمريكية كانت قد حافظت على وجودها في التنف منذ عام 2016، حيث فرضت منطقة عمليات عسكرية محظورة بقطر 55 كيلومتراً، واستخدمت القاعدة كمركز تدريب ودعم للفصائل المعارضة، قبل أن تتبدل التحالفات الميدانية في أعقاب التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها دمشق مؤخراً.

السياق السياسي: دمشق والتحالف الدولي

يأتي هذا التطور في ظل مناخ سياسي جديد تماماً، حيث باتت واشنطن الداعم الأساسي لجهود الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في توحيد البلاد وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة بعد سقوط النظام السابق في عام 2024. وقد تُوج هذا الانفتاح بإعلان انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب في نوفمبر 2025، مما مهد الطريق لهذا النوع من التنسيق العسكري المباشر لتسليم المواقع الحيوية.

بالتوازي مع ذلك، شهدت الساحة الداخلية اتفاقيات دمج واسعة، شملت انضواء القوات الكردية (التي كانت تسيطر على شمال شرق البلاد) ضمن هيكلية الدولة والجيش، بعد اشتباكات وتفاهمات أدت إلى انسحاب الأكراد من الرقة ودير الزور والتركيز على عملية دمج إداري وعسكري في محافظة الحسكة.

الأهمية الجيوسياسية لقاعدة التنف

تكتسب قاعدة التنف أهمية تتجاوز قيمتها العسكرية المباشرة، فهي تقع على الطريق الدولي (M2) الذي يربط دمشق ببغداد، وهو شريان تجاري واستراتيجي حيوي في الشرق الأوسط. السيطرة السورية على هذه النقطة تعني استعادة التحكم في أحد أهم المعابر البرية التي تربط بلاد الشام ببلاد الرافدين والخليج العربي.

إقليمياً، كان يُنظر إلى التنف كعقدة اعتراض للممرات البرية الاستراتيجية، وسيطرة الجيش السوري عليها اليوم، في ظل الحكومة الانتقالية الجديدة، تضع حداً لسنوات من التوتر الدولي حول هذا الموقع. كما يبرز البعد الإنساني المرتبط بمخيم الركبان للنازحين القريب من القاعدة، حيث تأمل الأوساط الدولية أن تساهم سيطرة الدولة في تسهيل وصول المساعدات وحل أزمة النازحين العالقين في ظروف معيشية قاسية.

التحديات الأمنية المستمرة في البادية

رغم تسلم القاعدة، لا تزال التحديات الأمنية قائمة في البادية السورية. وتواصل السلطات السورية تنفيذ عمليات أمنية ملاحقةً لخلايا تنظيم الدولة الإسلامية التي تنشط في محيط مدينة تدمر والبادية الشرقية. وكان شهر ديسمبر الماضي قد شهد تصعيداً عسكرياً تمثل في ضربات جوية نفذتها القيادة الوسطى الأمريكية (سنتكوم) ضد أهداف للتنظيم في وسط سوريا، مما يؤكد أن تسليم القواعد لا يعني نهاية الحرب على الإرهاب، بل يمثل بداية مرحلة جديدة من القيادة المحلية لهذه العمليات بدعم دولي.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *