سكينة الروح: فقه الصبر والرضا بالقضاء والقدر في ظلال الكتاب والسنة

مقدمة: الدنيا دار ابتلاء لا دار استقرار

لقد قضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحياة الدنيا محطة للاختبار ومضماراً للسباق، وليست داراً للخلود أو النعيم المطلق. ومن هنا، كان فهم فلسفة الابتلاء ركيزة أساسية في العقيدة الإسلامية. يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155]. إن هذا الإعلان الإلهي يضع المسلم أمام حقيقة وجودية كبرى: وهي أن المصائب والمحن ليست شراً محضاً، بل هي أدوات لتمحيص القلوب ورفع الدرجات، وهنا يبرز مفهوم الصبر والرضا كجناحين يحلق بهما المؤمن فوق ركام الأزمات ليصل إلى ساحل الطمأنينة.

أولاً: ماهية الصبر وحقيقته في الإسلام

الصبر في اللغة هو الحبس والمنع، وفي الاصطلاح الشرعي هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن المعاصي. وهو ليس مجرد استسلام سلبي للواقع، بل هو عمل قلبي إيجابي يتطلب قوة إرادة وصلة وثيقة بالخالق. وقد ورد ذكر الصبر في القرآن الكريم في أكثر من تسعين موضعاً، مما يدل على عظم شأنه. يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153].

والصبر في الإسلام يتنوع إلى ثلاثة أنواع رئيسية، يكمل بعضها بعضاً:

  • الصبر على طاعة الله: وهو أعلاها، حيث يحتاج المؤمن إلى مجاهدة دائمة للمداومة على العبادات والإخلاص فيها.
  • الصبر عن معصية الله: وهو كبح جماح النفس ومنعها من الانزلاق وراء الشهوات والمحرمات.
  • الصبر على أقدار الله المؤلمة: وهو الثبات عند وقوع المصائب، واستحضار أجرها عند الله.

وفي الحديث الصحيح، أكد النبي ﷺ أن الصبر الحقيقي هو الذي يظهر في اللحظات الأولى للصدمة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: مر النبي ﷺ بامرأة تبكي عند قبر، فقال: “اتقي الله واصبري”، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، فقيل لها: إنه النبي ﷺ، فأتت باب النبي ﷺ، فلم تجد عنده بوابين، فقالت: لم أعرفك، فقال: “إنما الصبر عند الصدمة الأولى” [رواه البخاري ومسلم].

ثانياً: من الصبر إلى الرضا.. الارتقاء في منازل العبودية

بينما يعد الصبر واجباً على كل مؤمن، يمثل الرضا درجة إحسانية أعلى وأرقى. الصبر هو كف النفس عن السخط مع وجود الألم، أما الرضا فهو انشراح الصدر بالمقدور، وسكون القلب إلى اختيار الله عز وجل، لعلم العبد أن الله أرحم به من نفسه. يقول ابن القيم رحمه الله: “الرضا باب الله الأعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين”.

إن الراضي لا يتمنى غير ما هو فيه، لأنه يثق بحكمة الله المطلقة. وقد قال النبي ﷺ: “ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً” [رواه مسلم]. وهذا الرضا يثمر في القلب راحة لا تشبهها راحة، ويجعل المؤمن يعيش حالة من التوازن النفسي أمام تقلبات الدهر.

ويصف الله عز وجل عباده المؤمنين بصفة الرضا المتبادل في قوله: (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ) [البينة: 8]. فرضا الله عن العبد يسبق رضا العبد عن الله، فإذا رضي الله عنك، وفقك للرضا بأقداره.

ثالثاً: الإيمان بالقضاء والقدر وعلاقته بالطمأنينة

لا يمكن تحقيق الصبر والرضا دون إيمان عميق بالركن السادس من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره. إن إيمانك بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، هو الترياق الوحيد للقلق والندم الحسير. يقول الله تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) [الحديد: 22-23].

هذه الآية الكبرى تضع دستوراً للراحة النفسية؛ فلا حزن يكسر الروح على ما فات، ولا فرح يطغي القلوب بما هو آتٍ، بل هو التوازن والاعتدال. إن المؤمن يرى يد الله خلف كل حدث، ويرى لطفه في طيات بلاءاته. وقد قال الرسول ﷺ في وصيته لابن عباس رضي الله عنهما: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف” [رواه الترمذي].

رابعاً: الثمرات الروحية والدنيوية للصبر والرضا

إن الثمرات التي يجنيها الصابرون الراضون لا تعد ولا تحصى، وهي تشمل عاجل الدنيا وآجل الآخرة:

  • الأجر غير المحدود: جعل الله أجر الصبر مفتوحاً بلا حساب، فقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].
  • معية الله الخاصة: الصابر ليس وحده، فالله معه بتأييده وتسديده (وَاصْبِرُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال: 46].
  • السكينة النفسية: الراضي يعيش في “جنة معجلة”، حيث لا قلق من المستقبل ولا ندم على الماضي، بل استمتاع بلحظة العبودية لله.
  • تطهير الخطايا: المصائب كفارات للمؤمن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة” [رواه الترمذي].

خامساً: كيف نربي أنفسنا على الصبر والرضا؟

إن الوصول إلى هذه المقامات العالية يحتاج إلى ترويض للنفس ومجاهدة، ويمكن تحقيق ذلك من خلال الوسائل التالية:

1. تجديد العلم بأسماء الله وصفاته: عندما تدرك أن الله هو “الحكيم” الذي يضع الأمور في نصابها، و”الرحيم” الذي لا يعذب عباده عبثاً، و”اللطيف” الذي يسوق الخير من طرق خفية، سينبعث الرضا في قلبك تلقائياً.

2. النظر إلى من هو أسفل منك: كما أوصانا النبي ﷺ بقوله: “انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم” [متفق عليه]. فمهما كان بلاؤك، فهناك من هو أشد منك بلاءً.

3. تدبر قصص الأنبياء: إن استعراض حياة الأنبياء يرينا أن أشد الناس بلاءً هم الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل. صبر أيوب على المرض، وصبر يعقوب على فقد ولده، وصبر محمد ﷺ على أذى قومه وفقد أحبته؛ كلها منارات تهدينا في ظلمات المحن.

4. الدعاء والالتجاء إلى الله: فالهداية للرضا هي عطاء إلهي، وكان من دعاء النبي ﷺ: “وأسألك الرضا بعد القضاء”.

خاتمة: الفرج مع الكرب واليسر مع العسر

في ختام هذا المقال، يجب أن نستحضر دائماً القانون الإلهي الذي لا يتخلف: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [الشرح: 5-6]. إن الضيق يعقبه المتسع، وإن الظلمة يعقبها الفجر. فمن تسلح بالصبر، وتوج هامه بالرضا، وجد حلاوة الإيمان التي تفوق مرارة القدر.

إن الله عز وجل لا يريد إعناتنا، بل يريد تربيتنا وتزكيتنا. فكن مع الله كما يريد، يكن لك فوق ما تريد. ولنتذكر دائماً قول النبي ﷺ: “عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له” [رواه مسلم]. جعلنا الله وإياكم من الصابرين الشاكرين، والراضين بقضائه في كل حين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *