# رمضان فرصة الدعاة: كيف تنقذ الأمة من شباك شياطين الإنس؟
يطل علينا شهر رمضان المبارك، شهر الرحمات والنفحات، ليكون محطة إيمانية كبرى تتوق فيها الأرواح إلى بارئها، وتشرئب فيها النفوس إلى مغفرة الله ورضوانه. ولكن، في مقابل هذا الإقبال الإيماني المنقطع النظير، نجد جبهة أخرى تعمل ليل نهار، لا تفتر ولا تكل، هدفها الوحيد هو صرف الناس عن جوهر هذا الشهر وتحويله من موسم للطاعة إلى موسم للغفلة والضياع. إنهم “شياطين الإنس” الذين أعدوا عدتهم، وحشدوا جيوشهم الإعلامية والفنية لإفساد صيام الناس وقيامهم.
من هنا، تبرز أهمية الدعوة في رمضان كضرورة شرعية وواجب وقتي لا يحتمل التأجيل، حيث يقع على عاتق الدعاة والمصلحين مسؤولية جسيمة في حماية بيضة الإسلام وحراسة الفضيلة في قلوب المسلمين.
واقع الصراع: استعداد شياطين الإنس
إن المتأمل في واقعنا المعاصر يدرك أن شياطين الإنس يبذلون من الأوقات والجهود والأموال ما يعجز اللسان عن وصفه. لقد أعدوا المسلسلات الهابطة، والبرامج الترفيهية التي تسرق الأوقات، والمسابقات التي تذكي روح الاستهلاك، كل ذلك في سبيل إشغال المسلم عن غايته العظمى في هذا الشهر.
هذا الاستعداد المحموم من قبل أهل الباطل يوجب على دعاة الحق وقفة جادة. فليس من المنطقي أن يخطط أهل الفساد لإفساد الناس لشهور طويلة، ثم يأتي الداعية ليرتجل كلماته أو يكتفي بالحد الأدنى من العطاء. إن مواجهة هذا الطوفان من الملهيات تتطلب من الدعاة مزيداً من البذل، ومضاعفة الجهود، وإعداد الخطط المحكمة التي تستوعب طاقات الشباب وتوجه اهتمامات المجتمع نحو معالي الأمور.
وهم الاعتزال: بين العبادة الخاصة والمسؤولية العامة
يقع بعض الصالحين والدعاة في فخ يظنون فيه أن الصواب في رمضان هو اعتزال الناس بالكلية، والاكتفاء بالعبادة الخاصة من صلاة وقراءة للقرآن وذكر. ورغم أن العبادة الخاصة هي وقود الداعية وزاده، إلا أن الاكتفاء بها وترك الناس فريسة لمخططات المفسدين هو قصور في فهم فقه المرحلة.
إن رمضان هو شهر الفتوحات، وشهر التغيير، وشهر التواصل مع الجماهير التي قد لا نجدها في المساجد في غير رمضان. لذا، فإن الانكفاء على النفس واعتزال الميدان الدعوي بحجة التفرغ للعبادة قد يكون هروباً من المسؤولية في وقت تشتد فيه الحاجة إلى التوجيه والإرشاد. إن الداعية الحق هو الذي يعيش مع الناس همومهم، ويأخذ بأيديهم نحو الطاعة، تماماً كما كان حال السلف الصالح الذين جمعوا بين الاجتهاد في العبادة وبين قيادة الأمة وتعليمها.
منهج التوازن: كيف يجمع الداعية بين النسك والدعوة؟
إن المنهج السوي الذي يجب أن يسير عليه كل من حمل همّ هذا الدين هو الجمع بين التعبد الخاص والبرنامج الدعوي المستمر. لا نريد داعية مفرطاً في عبادته الخاصة حتى يضعف أثره في الناس، ولا نريد داعية مستغرقاً في النشاط الحركي حتى يجف قلبه ويخبو نوره الإيماني.
أولاً: زاد الروح والعبادة الخاصة
يجب على الداعية أن يجعل لنفسه نصيباً وافراً من:
- الصلاة والقيام: فهي مدرسة الإخلاص وموطن استمداد القوة من الله.
- قراءة القرآن بوعي: لا يهم هنا كثرة الختمات بقدر ما تهم الجودة. لابد من تخصيص ختمة واحدة على الأقل تكون للتدبر والمدارسة، يستخرج منها الداعية الكنوز والدروس التي يلقيها على مسامع الناس.
- الخلوة بالله: دقائق من الصدق والتبتل تعيد للقلب توازنه بعيداً عن ضجيج العمل الدعوي.
- حفظ المسلمين: من خلال التواجد في المساجد، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وبث الرسائل الإيمانية التي تحذر من مصايد الشياطين.
- إنقاذ الغافلين: بالكلمة الطيبة، والموعظة الحسنة، والقدوة السامية التي تجذب النفوس التائهة إلى رحاب الإيمان.
- صناعة البديل: تقديم محتوى هادف يغني الناس عن متابعة ما يفسد دينهم وأخلاقهم.
ثانياً: البرنامج الدعوي المستمر
في المقابل، لابد من وجود برنامج دعوي محكم يهدف إلى:
خطة المواجهة: أعدوا خططكم من الآن
يا معشر الدعاة، إن الوقت يمر سراعاً، والموسم قاب قوسين أو أدنى. إن النجاح في رمضان ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة تخطيط مسبق واستعداد جاد.
1. تحديد الأهداف: ماذا تريد أن تحقق في هذا الشهر؟ كم شخصاً تطمح للوصول إليهم؟ ما هي القضايا الإيمانية التي ستركز عليها؟
2. تجهيز المحتوى: ابدأ من الآن بجمع المادة العلمية والوعظية، وصياغتها بأسلوب جذاب يلامس واقع الناس.
3. استخدام الوسائل الحديثة: لا تكتفِ بالمنبر التقليدي، بل اجعل من حساباتك على منصات التواصل منابر دعوية تبث الخير في كل مكان.
4. العمل الجماعي: نسق مع إخوانك من الدعاة لتوزيع الأدوار وتغطية كافة الثغرات، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص.
الاستعانة بالله: مفتاح التوفيق
بعد كل هذا الإعداد والعمل، يبقى الركن الأهم وهو الاستعانة بالله عز وجل. إن الداعية لا يملك من أمره شيئاً إلا ما وفقه الله إليه. لذا، لابد من كثرة الدعاء والالتجاء إلى الله بأن يرزقنا الهداية والتوفيق، وأن يتقبل منا ومن المسلمين صالح الأعمال.
توكلوا على الله، وسلوه أن يجعلكم مفاتيح للخير مغاليق للشر، وأن يستعملكم ولا يستبدلكم. إن الفوز الحقيقي في رمضان ليس فقط في نيل الأجر الشخصي، بل في أن تكون سبباً في نجاة نفس من النار، أو هداية قلب كان غارقاً في ظلمات الغفلة.
خاتمة النداء
إن المعركة بين الحق والباطل في رمضان تشتد ضراوتها، وشياطين الإنس قد أقسموا على إفساد فرحة المؤمنين بطاعتهم. فكونوا أنتم حراس الثغور، وجنود الحق الذين لا ينامون عن حماية دين الناس. اجعلوا من رمضان هذا العام نقطة انطلاق دعوية كبرى، تجمعون فيها بين خلوة المتبتل وجولة المجاهد بالكلمة، مستعينين بالله، متوكلين عليه، طامعين في فضله العظيم.
إن الأمة اليوم تنظر إليكم، والقلوب متعطشة لما عندكم من نور الوحي، فلا تبخلوا على الناس بعطائكم، ولا تحرموا أنفسكم من أجر الدلالة على الخير، فالدال على الخير كفاعله. نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام والدعوة إلى سبيله على بصيرة.

اترك تعليقاً