المستشار الألماني في مؤتمر ميونيخ للأمن: النظام العالمي القديم انتهى وأوروبا أمام تحديات وجودية

المستشار الألماني في مؤتمر ميونيخ للأمن: النظام العالمي القديم انتهى وأوروبا أمام تحديات وجودية

ميرتس يطلق صرخة تحذير من قلب مؤتمر ميونيخ للأمن

في خطاب اتسم بالصراحة والمكاشفة، أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال افتتاح مؤتمر ميونيخ للأمن السنوي أن النظام العالمي القائم على القواعد، والذي ساد لعقود، “لم يعد موجوداً” بشكل الفعلي. ووجه ميرتس رسالة شديدة اللهجة لقادة العالم المجتمعين، مؤكداً أن الحريات التي تتمتع بها القارة العجوز لم تعد مضمونة في ظل صراع القوى العظمى، داعياً الشعوب الأوروبية إلى الاستعداد لتقديم تضحيات جسيمة لحماية أمنها وسيادتها.

وأقر المستشار الألماني بوجود تصدع غير مسبوق وانقسام عميق يباعد بين ضفتي الأطلسي، مشيراً إلى أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة تمر بمرحلة من الاختبار الحقيقي. ويأتي هذا التصريح في وقت حساس تزداد فيه الضغوط على الحلفاء الأوروبيين للتعامل مع واقع جيوسياسي جديد تفرضه التوجهات الأمريكية الراهنة.

أزمة غرينلاند وتآكل الثقة عبر الأطلسي

خيمت طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن ضم إقليم غرينلاند على أجواء مؤتمر ميونيخ للأمن، حيث اعتبر العديد من القادة الأوروبيين أن هذا التوجه يمثل تهديداً مباشراً لسيادة دولة عضو في حلف الناتو (الدنمارك). ووصف القادة هذه الخطوة بأنها “نقطة تحول” أدت إلى تآكل الثقة مع واشنطن، خاصة مع تزامنها مع فرض تعريفات جمركية أمريكية على الواردات الأوروبية.

من جانبه، أكد ترامب في تصريحات للصحفيين اهتمامه المستمر بالإقليم القطبي، قائلاً: “غرينلاند سترغب بنا، ونحن نتفاوض حالياً بشأنها”. وفي المقابل، أعربت رئيسة الوزراء الدنماركية مته فريدريكسن عن عزمها مناقشة هذه التهديدات مع وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الذي وصف المرحلة الحالية بأنها “عهد جديد في الجغرافيا السياسية” يتطلب إعادة نظر شاملة في الأدوار الدولية.

قوة ردع نووية أوروبية: تحول استراتيجي مرتقب

في مفاجأة من العيار الثقيل، كشف المستشار ميرتس عن وجود “محادثات سرية” جارية بين برلين وباريس، وتحديداً مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تهدف إلى بحث إنشاء قوة ردع نووية أوروبية مشتركة. هذا التحول الجذري يعكس مخاوف القارة من تراجع الالتزامات الأمريكية تجاه حلف الناتو ومن فكرة “المظلة النووية” التي كانت توفرها واشنطن تاريخياً.

وعلى الرغم من أن ميرتس لم يقدم تفاصيل إضافية حول طبيعة هذه القوة، إلا أن الإعلان يشير إلى رغبة أوروبية جادة في تحقيق استقلال دفاعي استراتيجي. وفي سياق متصل، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كلمته إلى ضرورة أن تتعلم أوروبا كيف تصبح “قوة جيوسياسية” مستقلة، مشدداً على تسريع عملية إعادة التسلح الجماعي لمواجهة التهديدات الوجودية، وعلى رأسها الغزو الروسي لأوكرانيا.

صدام القيم والمصالح بين أوروبا وحركة “ماجا”

ولم يخلُ خطاب ميرتس من انتقادات لاذعة للسياسات الأمريكية المرتبطة بحركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً” (MAGA). وأشار المستشار الألماني بوضوح إلى أن الحرب الثقافية التي تتبناها هذه الحركة ليست حرباً أوروبية، مؤكداً أن أوروبا تؤمن بالتجارة الحرة وترفض السياسات الحمائية والتعريفات الجمركية.

واستذكر ميرتس تصريحات جيه دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، التي هاجم فيها السياسات الأوروبية العام الماضي، معتبراً أن تلك التصريحات كانت بداية لشرخ كبير في العلاقات. ومع ذلك، وجه ميرتس نداءً مباشراً للجانب الأمريكي بضرورة إحياء الثقة المتبادلة، محذراً من أن استمرار الانقسام لن يخدم سوى القوى المتربصة بالنظام الدولي.

أجندة مؤتمر ميونيخ: أوكرانيا، الصين، وإيران

إلى جانب التوترات الأطلسية، يركز مؤتمر ميونيخ للأمن في دورته الحالية على قضايا مصيرية أخرى، حيث يتصدر ملف الحرب الروسية الأوكرانية المناقشات، وسط مطالبات بزيادة الضغط على موسكو. كما تبرز التوترات المتصاعدة مع الصين كملف شائك، بالإضافة إلى فرص إحياء الاتفاق النووي مع إيران، وهي قضايا ستحدد ملامح الخارطة الأمنية العالمية في السنوات القادمة.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *