قراءة في كتاب المتفرج والوسيط: جينالوجيا الخراب والبحث عن الحقيقة
في كتابه الأحدث "المتفرج والوسيط: قراءات في جينالوجيا السلطة والناس"، يضع الكاتب الأردني سامح المحاريق يده على الجرح العربي النازف، متخذاً موقعاً فكرياً حاداً يحلل من خلاله المسافة الفاصلة بين الحاكم والمحكوم. هذا الكتاب الصادر عن "دار جدل"، ليس مجرد رصد للأزمات، بل هو إعادة رسم للخريطة الأخلاقية والسياسية للواقع العربي.
ثنائية المتفرج والوسيط: العدسة التفسيرية للواقع
ينطلق المحاريق من فرضية جريئة تُشخص الإنسان العربي المعاصر بوصفه "متفرجاً محترفاً". فالفضاء العام لم يُصمم للمشاركة، بل صُمم ليكون شاشة عرض كبيرة، حيث يُكتفى من الجماهير بالتصفيق أو النحيب دون السماح لهم بلمس خشبة المسرح.
أما البطل (أو الشرير) في هذه الدراما فهو "الوسيط". يرى الكتاب أن السلطة لم تعد تواجه الناس مباشرة، بل استحدثت طبقات من الوسطاء:
- رجال الدين والنخب المثقفة.
- زعماء الطوائف والقبائل.
- المؤثرون الرقميون الجدد.
هؤلاء الوسطاء يعملون كـ "صمامات أمان" تمنع الاحتكاك المباشر وتُغلف الحقيقة قبل وصولها إلى المتفرج القابع على "كنبة اليأس".
سيكولوجية "حزب الكنبة" ورمزية القعود
يحلل المحاريق ظاهرة "حزب الكنبة" ليس كموقف حيادي، بل كظاهرة سيكولوجية تعبر عن انسداد الأفق التاريخي. الكنبة هنا هي الرمز المادي لانتهاء السياسة وتحولها إلى دراما تلفزيونية، حيث يُقنع المواطن بأن الاستقرار في القعود أفضل من مخاطرة الوقوف، مما يحول الجماهير إلى "شهود زور" على ضياع مستقبلهم.
تشريح الأزمات العربية: من لبنان إلى السودان
ينتقل الكتاب ببراعة بين النماذج الإقليمية، محطماً إطار التحليل القُطري الضيق لصالح رؤية عربية شاملة:
- لبنان: يفكك المحاريق الطائفية بوصفها "شركة وساطة" كبرى تبيع الهوية مقابل الولاء، وتجعل الدولة مجرد شبح.
- مصر: يغوص في تآكل قيم الطبقة الوسطى وتحول "الأبوية السياسية" إلى قيد يمنع النضج والمشاركة الحقيقية.
- فلسطين: يقتحم منطقة محرمة بنقد الذات الفلسطينية، مقارناً بين المثقف "الأيقونة" (محمود درويش) والمثقف "المنبوذ" (فواز تركي).
- سوريا وليبيا والسودان: يحلل صناعة "الوحوش" السياسية وكيف تتحول الثروات والمؤسسات إلى منصات للسيرك السياسي أو ساحات للغنيمة والانتقام.
أزمة المثقف العربي: "كلنا سلفيون"
من أجرأ فصول الكتاب تلك التي تتناول المثقف العربي، الذي يراه المحاريق جزءاً من بنية الوساطة ذاتها. ينتقد الكاتب استبدال مفهوم "النخبة" بـ "الصفوة"، ويرى أن الجميع يعيش على وصفات فكرية جاهزة.
يطلق المحاريق جملته الصادمة: "يا عزيزي، كلنا سلفيون"، قاصداً بذلك التبعية للنصوص والأيديولوجيات الجاهزة (يسارية كانت أو ليبرالية) دون مواجهة الأسئلة الحقيقية حول الشرعية والعدالة وبناء الدولة.
الخلاصة: كتاب يزعج السكينة
إن كتاب المتفرج والوسيط ليس نصاً مريحاً، بل هو عمل يهدف إلى إزعاج القارئ ونزع السكينة عن "كنبته" الوثيرة. سامح المحاريق لا يقدم وعوداً بالإنقاذ ولا يطرح "مانيفستو" للتغيير، بل يصر على أن تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية هي الخطوة الأولى والضرورية للخروج من حالة الهوان.
هذا الكتاب ضرورة لكل من يريد فهم لماذا نراقب تاريخنا وهو يُكتب بأيدي غيرنا، ولماذا نخشى حتى الآن أن نطلب إضاءة الأنوار في مسرحنا العربي الكبير.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً