يطل علينا شهر رمضان المبارك في كل عام، حاملاً معه عبق الطاعات ونور الهدايات، فهو شهر الخيرات التي لا تنفد، وموسم الانتصارات التي سطرها التاريخ حين تمسكت الأمة بشرع ربها وأقامت حدود الله في خلواتها وجلواتها. إنه شهر الإنابة الصادقة، وملاذ التائبين من لظى الذنوب، فما أجمل أن نستقبل هذه الأيام بقلوب مخبتة ونفوس تتوق إلى رضوان الله.
ولكن، ومع هذه الفيوضات القدسية، يبرز تساؤل يدمي القلوب: أين نحن اليوم من تلك نسمات رمضان الإيمانية الصادقة؟ أين نحن من وعد الملك المنان حين تهفو النفوس المؤمنة لباب الريان؟ وكيف نلقى هذا الشهر العظيم وقد خيم الهوان على أمة القرآن؟
إن المتأمل في حال الأمة اليوم يجد مفارقات عجيبة؛ فبينما يطرق رمضان الأبواب، نجد المسجد الأقصى أسيرًا، والفرقة تمزق أوصال الجسد الواحد. وفي هذا السياق، انبرى شعراء الإيمان ليعبروا عما تختلج به صدورهم من نفحات، فامتزج مدادهم بدموع الأسى تارة، وبأنوار الأمل تارة أخرى.
عدنان النحوي: مرآة الألم بين الماضي المشرق والحاضر المظلم
يأخذنا الشاعر الدكتور عدنان علي رضا النحوي في رحلة استذكار موجعة، يشدو فيها بذكرياته ويقارنها بواقعه المرير. هو لا يرى في رمضان مجرد طقوس، بل يراه شمسًا كانت تشرق على ربا الإسلام فتجمع القلوب على الهدى، لكنه اليوم يلتفت فلا يجد إلا الدموع الحرى والدماء المتدفقة. يقول في قصيدته:
قَدْ كُنْتَ تُشْرِقُ فِي رُبَا الْإِسْلاَمِ يَجْـ
ـمَعُهَا الْهُدَى سَاحًا تَجُودُ وَتُغْدِقُ
أَنَّى الْتَفَتَّ الْيَوْمَ تَلْقَى أَدْمُعًا
حَرَّى تُصَبُّ عَلَى دَمٍ يَتَدَفَّقُ
تَلْقَى الثَّكَالَى وَالْيَتَامَى وَالْأَسَى
فَوْقَ الْوُجُوهِ تَغِيبُ فِيهِ وَتَزْهَقُ
وَتَرَى الْمَجَازِرَ وَالْعِدَا يَتَوَاثَبُـ
ـونَ عَلَى الدِّيَارِ وَكُلُّ وَثْبٍ مُوبِقُ
وَتَرَى بَنِي الإِسْلاَمِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ
بَعْضًا وَيُمْعِنُ فِي الْعَدَاءِ وَيُغْرِقُ
وَتَرَى عَدُوَّ الْمُسْلِمِينَ مُهَيْمِنًا
يُلْقِي بِأَحْمَالِ الْهَلاَكِ وَيُطْلِقُ
وَتَرَاهُ صَفًّا وَاحِدًا مُتَمَاسِكًا
وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ الْهَوَانِ تَفَرَّقُوا
رَمَضَانُ أَقْبِلْ وَامْسَحَنَّ مِنَ الْأَسَى
وَأَعِدْ لَنَا النَّصْرَ الَّذِي يَتَأَلَّقُ
وَاغْسِلْ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ وَضَعْ بِهَا
أَمَلاً بِهِ تَحْيَا الْقُلُوبُ وَتَخْفِقُ
يمضي الدكتور النحوي في بث هذه المفارقات المفجعة؛ فبينما كان رمضان في الماضي يشرق بنور الإيمان والاتحاد، يأتي اليوم والمسلمون غارقون في ظلمات المعاصي والتشرذم. وقد تعمد الشاعر تكرار الفعل (ترى) ليؤكد بشاعة الواقع ويُلِحّ على ضرورة التغيير. إنها دعوة صريحة ليكون رمضان غسولًا للقلوب وموقظًا للهمم، لعل هذا العام يشهد ولادة فجر جديد يعيد للأمة أمجادها المسلوبة.
علي بن عبدالله الزبيدي: لوعة الوداع وترقب الجائزة
أما الشاعر علي بن عبدالله الزبيدي، فإنه يقف موقف المودع الحزين الذي يتحسر على سرعة انقضاء أيام الرحمة. يرى في رمضان صفحة من العمر تُطوى، ولا يدري العبد هل قُبل عمله أم حُرم الجائزة. يستخدم الزبيدي أسلوب التشخيص فينادي الشهر وكأنه إنسان يسمع ويعقل:
قِفْ أَيُّهَا الشَّهْرُ لَوْ يُسْتَوْقَفُ الْعَجِلُ
أَهَكَذَا أَجْمَلُ الْأَيَّامِ تُخْتَزَلُ
قِفْ لَمْ تَزَلْ لِلْمَشُوقِ الصَّبِّ ظَامِئَةٌ
تَرْنُو إِلَيْكَ وَفِي أَحْدَاقِهَا وَجَلُ
لَمْ تَدْرِ هَلْ قُبِلَتْ بِالأَمْسِ تَوْبَتُهَا
أَمْ أَنَّهَا بِلَظَى الْحِرْمَانِ تَشْتَعِلُ
ثم يبلغ الحزن ذروته عند سؤال العيد:
وَأَقْبَلَ الْعِيدُ، هَلْ يَلْقَاهُ مَنْ حُرِمُوا؟
هَيْهَاتَ لَيْسَ لَهُمْ بَلْ عِيدُ مَنْ قُبِلُوا
إنها صورة وجدانية عميقة تختصر حقيقة العبد بين الخوف والرجاء.
حيدر الغدير: إشراقة اليقين في ليلة القدر
وعلى الضفة الأخرى من المشاعر، ينقلنا الدكتور حيدر الغدير إلى أجواء البهجة والظفر بليلة القدر. في قصيدته نجد يقينًا صافيًا بعفو الله، حيث يستخدم الأفعال الماضية الدالة على التحقق:
ظَفِرْتُ بِهَا وَغَشَّانِي أَمَانُ
وَقَرَّ بِهَا ضَمِيرِي وَالْجَنَانُ
وَعَايَنْتُ الْقَبُولَ وَبُشْرَيَاتٍ
كَأَنَّ السَّعْدَ فِيهَا مَهْرَجَانُ
إنها لحظة الانتصار الروحي التي يتحرر فيها القلب من أثقال الذنوب ويذوق طعم الطمأنينة.
ناصر عليان: بوابة الغفران وتراتيل النور
في قصيدته “بوابة الغفران”، يصف الشاعر ناصر بن علي عليان حالة الشوق التي تسبق قدوم الشهر، حيث الأنفس الظمأى تترقب الهلال الباسم:
تَاقَتِ الأَنْفُسُ ظَمْأَى لِرِيَّاكْ
فَشَدَّتْ لِلأُفْقِ قَلْبًا وَنَاظِرْ
فِيكَ لاَ فِي سِوَاكَ قَدْ أُنْزِلَ الذِّكْرُ
وَطَافَتْ بِالْعَالَمِينَ الْبَشَائِرْ
يؤكد الشاعر تفرد رمضان وعلو مكانته، فهو شهر النور والتحرير الروحي من ظلمات اليأس.
سلمان الجربوع: أنين الواقع واستنهاض الهمم
ويختم سلمان بن زيد الجربوع هذه الجولة بنبرة واقعية حزينة، يطرح فيها أسئلة وجودية مؤلمة:
أَنَعِيشُ كَيْ يَغْزُو الْعَدُوُّ قُلُوبَنَا؟
أَنَعِيشُ كَيْ يَغْدُو الْوَلِيدُ مُشَرَّدًا؟
إن تكرار الاستفهام الإنكاري يعكس عمق الجرح ومرارة الوعي، ويدعو إلى مراجعة حقيقية لمعنى الصيام والإيمان.
خاتمة: رمضان.. مدرسة التغيير
إن ما قدمه هؤلاء الشعراء من لوحات فنية ومشاعر جياشة يؤكد أن نسمات رمضان الإيمانية ليست مجرد ألفاظ تُتلى، بل هي طاقة تغيير حقيقية. رمضان مدرسة لتجديد العهد مع الله، وبناء الإنسان من الداخل، وصناعة أمة تعرف طريقها نحو النور بعد طول ظلام.


اترك تعليقاً