العيش على حافة الهاوية: كيف يترجم الجسد لغة التهديد العسكري؟
منذ أسابيع، والمنطقة العربية تعيش تحت وطأة خطاب التصعيد والتهديد العسكري، مما أدخل الملايين في حالة من الترقب المستمر. وبينما تتباين التجارب بين دول خبرت ويلات القصف المباشر وأخرى تتأثر بظلاله السياسية والاقتصادية، يبقى القاسم المشترك هو ذلك العبء الصامت الذي تحمله الأجساد نتيجة انتظار المجهول.
في مدن مثل عمّان، القاهرة، والرياض، قد لا تدوي أصوات الانفجارات، لكن مفردات مثل “رد عسكري” و”ضربة محتملة” تتسلل إلى غرف المعيشة عبر نشرات الأخبار، محفزةً قلقاً كامناً. أما في بيروت ودمشق وغزة، فحتى في لحظات الهدوء الهشة، يظل الجهاز العصبي للمواطنين في حالة استنفار قصوى، يستدعي ذكريات الصدمات السابقة ويتحضر للأسوأ.
الاستجابة البيولوجية: لماذا لا يفرق الجسم بين التهديد والواقع؟
تؤكد ماري المزوق، المعالجة النفسية الإكلينيكية المتخصصة في العلاج المعرفي السلوكي، في حديثها لـ بي بي سي عربي، أن الجهاز العصبي للإنسان يمتلك آلية دفاعية فطرية لا تميز بدقة بين خطر القصف الفعلي وخطر احتمال وقوعه. بمجرد الشعور بالتهديد، يبدأ الجسم في إفراز هرمونات التوتر، وعلى رأسها الأدرينالين والكورتيزول، وهي استجابة تُعرف بـ “القتال أو الهروب”.
توضح الهيئات الصحية العالمية، مثل “هيئة الخدمات الصحية الوطنية” البريطانية (NHS)، أن هذا الضغط النفسي هو استجابة طبيعية، لكن معضلتنا المعاصرة تكمن في تحوله إلى حالة مزمنة. فعندما يظل الإنسان في حالة ترقب لفترة طويلة، يتوقف الجسم عن كونه “يقظاً بشكل مفيد” ليبدأ في استنزاف موارده الحيوية.
أعراض جسدية ونفسية تتجاوز مجرد القلق
تشير التقارير الطبية إلى أن الضغط الناتج عن انتظار الحرب يظهر في صور سريرية ملموسة. إكلينيكياً، يعاني الكثيرون في مناطق النزاع من أعراض تشمل الصداع المزمن، الدوار، وتوتر العضلات الحاد. كما يمتد التأثير ليشمل الجهاز الهضمي، مسبباً اضطرابات معوية، وصولاً إلى تسارع ضربات القلب وآلام الصدر التي قد تتشابه مع نوبات الهلع.
وعلى الصعيد النفسي والسلوكي، يؤدي التعرض المستمر لخطاب الحرب إلى صعوبات حادة في التركيز واتخاذ القرارات، فضلاً عن اضطرابات النوم (سواء بالأرق أو النوم المفرط) وتغيرات في الشهية. وتؤكد المزوق أن ما نراه اليوم هو “جهاز عصبي لا ينطفئ بالكامل”، حيث يظل الدماغ في حالة بحث راداري مستمر عن الخطر.
المخاطر طويلة الأمد والآثار التراكمية
تحذر “جمعية علم النفس الأمريكية” من أن التنشيط الطويل لنظام الاستجابة للضغط يعطل معظم عمليات الجسم الأساسية. الكورتيزول، الذي وُجد ليحمينا في لحظات الخطر القصيرة، يصبح سماً بطيئاً إذا استمر بمستويات عالية، حيث يضعف جهاز المناعة، ويزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب، السكتات الدماغية، وارتفاع ضغط الدم، بالإضافة إلى مساهمته في ظهور الاكتئاب وضعف الذاكرة.
وتشدد ماري المزوق على أن استجابات الناس في هذه المناطق ليست مبالغاً فيها، بل هي رد فعل بيولوجي متناسب مع بيئة غير مستقرة، حيث يتبنى العقل “التفكير الكارثي” كنوع من الحماية الذاتية، لكن بكلفة صحية باهظة.
استراتيجيات البقاء: كيف نحمي أجهزتنا العصبية؟
بناءً على توصيات الخبراء من NHS وجمعية علم النفس الأمريكية، يمكن اتباع خطوات عملية لخفض مستويات التوتر وتجنب الانهيار الصحي:
- إدارة استهلاك الأخبار: حدد أوقاتاً معينة لمتابعة المستجدات وتجنب الانغماس المستمر في التغطيات العاجلة.
- بناء شبكة دعم اجتماعي: التواصل مع الأصدقاء والعائلة يخفف من عبء القلق الفردي.
- النشاط البدني المنتظم: يساعد التمرين في حرق هرمونات التوتر الفائضة وإعادة توازن الجسم.
- تمارين التنظيم الذاتي: تقنيات التنفس العميق والتأمل تعطي إشارات أمان للدماغ كي يبدأ في خفض مستويات الكورتيزول.
في الختام، يظل عبء الانتظار في مناطق النزاع تحدياً يتجاوز السياسة، ليمس صميم التكوين البيولوجي للإنسان. إن فهم أن هذه الأعراض هي استجابة جسدية طبيعية لظروف غير طبيعية هو الخطوة الأولى نحو التعافي وإدارة الأزمة بوعي صحي.
المصدر: BBC Arabic



اترك تعليقاً