مواسم الخيرات ونفحات الطاعات: دليل المؤمن لاغتنام الأوقات

مقدمة: حكمة الله في تفضيل الأزمان والأمكنة

الحمد لله الذي جعل للمتقين مفاوز، وشرع لعباده من القربات ما يرفع الدرجات ويمحو السيئات، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين، هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.. أما بعد:

إن من عظيم حكمة الله الباهرة وعلمه المحيط بكل شيء، أن خلق الخلق فقدره تقديراً، واصطفى من خلقه ما شاء بفضله وشرفه، فاختص سبحانه وتعالى أزماناً بعينها بمزيد من البركة، وأمكنة بذاتها بفيوض من القدسية والفضل. وقد أرشدنا الحق تبارك وتعالى في محكم التنزيل، وعلى لسان نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، إلى هذه الأوقات الشريفة لكي نبادر فيها بالعمل، ونسارع إلى نيل الرضا، فإن المحروم حقاً هو من تمر عليه هذه المواسم وهو لاهٍ غافل، يجعل جهده في أيام الفضل كجهده في سائر الأيام، فلا يخصها بمزيد اجتهاد، ولا يرفع فيها وتيرة التعبد.

إن مواسم الخيرات هي ميادين السباق، ومواطن الربح العظيم، والخاسر الحقيقي هو من يحصر همته في هذه الأوقات المباركة في تحصيل زهرة الحياة الدنيا، التي لن ينال منها إلا ما قدره الله له، بينما يفرط في تجارة لن تبور مع رب العالمين.

فلسفة الاستباق والمنافسة في الطاعات

لقد حضنا الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز على المنافسة المحمودة في فعل الخيرات، وأمرنا ألا نقبل لأنفسنا بالدون، بل نسعى دوماً للوصول إلى أعلى المقامات. يقول الله عز وجل: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [سورة البقرة:148]. والاستباق هنا يتجاوز مجرد الفعل؛ فهو يعني المبادرة، والمسارعة، والمنافسة التي لا تقنع بمجرد الإتيان بالعمل، بل تهدف إلى أن يكون المسلم في طليعة السابقين.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم “الغبطة” أو المنافسة الشريفة، كما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها» (أخرجه البخاري ومسلم). وقد فسر العلماء الحسد هنا بالمنافسة؛ قال ابن حجر: “وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأطلق الحسد عليها مجازاً، وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة”.

إن المسابقة تشعر المؤمن بضرورة الجد والركض نحو مرضاة الله، كما قال الصحابي الجليل عمير رضي الله عنه:

ركضــــــــا إلى الله بغير زاد * إلا التقـى وعمــل الــــــمـعاد
والصبر في الله على الجهاد * وكل زاد عرضه النفــــــــــاد
غير التقى والبــر والرشـــاد

والخيرات تشمل كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، سواء كانت فرائض أو نوافل، وقد تكرر الأمر بالاستباق في مواضع عدة من القرآن الكريم للتأكيد على أهمية المبادرة، كما في قوله تعالى: {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ} [سورة آل عمران:133].

شرف المكان: رحلة القلوب إلى البيوت المعظمة

كما فضل الله الأزمان، فقد جعل لبعض الأمكنة شرفاً لا يدانى، ومن ذلك المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، والمسجد النبوي، والمسجد الأقصى، حيث تضاعف فيها الصلوات وتزدان فيها العبادات. ومن أمكنة الفضل أيضاً “الثغور” حيث يرابط المسلمون لحماية بيضة الإسلام، وقد وردت البشارات العظيمة في فضل الرباط؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل ميت يختم على عمله إلا الذي مات مرابطا في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن فتنة القبر» (أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الألباني).

وفي رواية أخرى: «رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأجري عليه رزقه وأمن الفتان» (أخرجه مسلم). إن هذا الشرف المكاني يستدعي من المؤمن المقيم في هذه البقاع اجتهاداً مضاعفاً لا يساويه فيه غيره.

شرف الزمان: التعرض لنفحات الله الربانية

أما عن أزمان الفضل، فهي محطات إيمانية يتزود منها العبد؛ كأشهر الحج، ويوم الجمعة، وجوف الليل الآخر حيث ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا فيقول: «من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له» (البخاري ومسلم).

وعلى رأس هذه الأزمان يتربع شهر رمضان المبارك، الذي يستوجب علينا التعرض لنفحات الله فيه، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلوا الخير دهركم، و تعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده» (رواه الطبراني وحسنه الألباني). وكان أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: “التمسوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله”.

مدرسة الجود والقرآن في رمضان

لقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان شأن يختلف عن كل أحواله، فقد كان أجود الناس، ولكن جوده في رمضان كان يبلغ الذروة. يروي ابن عباس رضي الله عنهما: «كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فإذا لقيه جبريل عليه السلام كان أجود بالخير من الريح المرسلة» (البخاري ومسلم).

إن جوده صلى الله عليه وسلم كان يفوق الريح المرسلة في سرعتها وعموم نفعها، وهذا يعلمنا أن رمضان هو موسم البذل والإحسان. كما يبرز في هذا الشهر الارتباط الوثيق بالقرآن الكريم؛ فكان صلى الله عليه وسلم يدارس جبريل القرآن كل ليلة، مما يضع أمامنا منهجاً في تعظيم التلاوة والتدبر في هذا الشهر.

مآثر السلف في تعظيم مواسم الخيرات

لقد فهم السلف الصالح هذه المعاني، فكان لهم مع القرآن في رمضان شأن عجيب؛ فقد كان عثمان بن عفان رضي الله عنه يختم القرآن في ركعة، وكان الأسود النخعي يختمه في رمضان كل ليلتين، وكان الشافعي يختم القرآن في رمضان ستين ختمة. ويروى عن زهير بن محمد المروزي أنه كان يختم في رمضان تسعين ختمة.

ورغم أن الهدي النبوي العام ينهى عن ختم القرآن في أقل من ثلاث كما في قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث»، إلا أن اجتهاد هؤلاء الأئمة في مواسم الفضل كان استثناءً يعكس شدة عنايتهم بالقرآن وحرصهم على استغلال كل لحظة في هذا الموسم العظيم.

ليلة القدر: تاج مواسم الخيرات

وإذا تحدثنا عن رمضان، فلا بد من ذكر العشر الأواخر وليلة القدر؛ حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر» (البخاري ومسلم). إنها الليلة التي هي خير من ألف شهر، ومن وفق لقيامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه. إنها فرصة العمر التي يختصر فيها المؤمن مسافات الزمن ليفوز برضا الرحمن.

رمضان شهر العمل والانتصارات لا الخمول

إن العناية بالعبادة في رمضان لا تعني الركون إلى الكسل أو الانقطاع عن معالي الأمور؛ فالتاريخ الإسلامي يخبرنا أن أعظم الانتصارات وقعت في هذا الشهر المبارك. فغزوة بدر الكبرى، وفتح مكة، والانتصار على التتار، كلها كانت في رمضان. وهذا يؤكد أن الصيام والقيام يمدان المؤمن بالقوة والعزيمة للقيام بواجباته تجاه دينه وأمته.

خاتمة وتذكرة

ختاماً، إن مواسم الخيرات هبات ربانية وفرص ذهبية للتغيير والارتقاء. فينبغي للمسلم اللبيب أن يترفع عن الانشغال بحطام الدنيا في هذه الأوقات، وأن يجعل همه الأول هو مرضاة الله والمسارعة في الخيرات. نسأل الله بمنه وفضله أن يرزقنا بركة هذه الأزمان، وأن يجعلنا من المقبولين، ومن الذين وفقوا لقيام ليلة القدر، وصيام رمضان على الوجه الذي يرضيه عنا. اللهم اجعلنا من المسارعين في الخيرات، السابقين إلى الجنات، بفضلك وكرمك يا أكرم الأكرمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *