عودة الروح إلى القراءة: معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الاستثنائية
تحت شعار “تاريخٌ نَكتبه.. تاريخٌ نقرأُه”، افتتحت العاصمة السورية أبوابها لحدث ثقافي بارز يتمثل في معرض دمشق الدولي للكتاب، في دورته الأولى عقب التغييرات السياسية الكبرى وسقوط حكم النظام السابق. وتعتبر وزارة الثقافة في الحكومة الانتقالية السورية، المنظمة لهذا الحدث، أن المعرض ليس مجرد تظاهرة لبيع الكتب، بل هو إعلان عن عودة الحياة الفكرية والثقافية إلى البلاد بعد عقود طويلة من سياسات التضييق والرقابة الأمنية الصارمة التي كبلت العقل السوري.
شهدت أروقة المعرض هذا العام تنوعاً لافتاً في المحتوى، حيث احتضنت الأجنحة عناوين تاريخية وسياسية ودينية، بالإضافة إلى مؤلفات تتناول الثورة السورية وتوثق أحداثها، وهي كتب كان مجرد اقتنائها في السابق يشكل خطراً أمنياً داهماً. كما برزت الروايات المترجمة التي كانت محظورة لسنوات، لتجد طريقها أخيراً إلى يد القارئ السوري المتعطش للانفتاح على الأدب العالمي.
أربعة عشر وجهاً حزيناً: عندما تكسر الكلمة قيود السجان
في زحام الزوار، تبرز قصص إنسانية تعكس التحول الجذري في المشهد الثقافي. الكاتبة والمحامية السورية براءة الطرن، تحدثت عن مشاعرها وهي ترى كتابها “أربعة عشر وجهاً حزيناً” يعرض علانية لأول مرة. الكتاب الذي منع من التداول في عام 2022 بذريعة انتقاد الواقع الأمني، يسلط الضوء على أحداث مؤلمة من تاريخ سوريا الحديث، بما في ذلك مجزرة حماة وعمليات الاعتقال التعسفي.
وتشير الطرن إلى أن كتابها يتخذ من رحلة “ميكرو باص” في قلب دمشق ذريعة أدبية للحديث عن الموت الذي أحاط بالسوريين لسنوات، وكيف ذابت تفاصيل الحياة اليومية البسيطة في أتون الصراع والقبضة الأمنية المشددة.
مشاركة دولية ودور نشر كانت محظورة
يتميز معرض دمشق الدولي للكتاب في نسخته الحالية بمشاركة دور نشر كانت مغيبة قسراً، مثل “منشورات المتوسط” و”دار القلم” و”دار رياض الريس”. خالد الناصري، صاحب منشورات المتوسط التي تتخذ من إيطاليا مقراً لها، أكد أن هذه هي المرة الأولى التي تدخل فيها كتب الدار إلى سوريا بشكل رسمي، بعد سنوات كان فيها القراء يتعرضون للمساءلة والاعتقال لمجرد حيازتهم إصدارات الدار على الحدود.
وأشاد الناصري بسياسة الحكومة الانتقالية التي سمحت بدخول الكتب من بيروت إلى دمشق دون ممارسة أي رقابة مسبقة، حتى على العناوين التي تتسم بـ “المشاكسة” السياسية أو الفلسفية، مما يعزز مناخ الحرية الذي يطمح إليه المثقفون السوريون.
الهوية الكردية تتصدر المشهد الثقافي
في خطوة وصفها الكثيرون بالتاريخية، خصص المعرض جناحاً خاصاً للكتب واللغة الكردية، حيث ازدان الجناح بالزوار الذين يرتدون الزي الفلكلوري الكردي. وتُعرض في هذا القسم عناوين تتناول الهوية والتاريخ الكردي، وهي كتب كانت ممنوعة من التداول منذ ستينيات القرن الماضي.
واعتبر صلاح صوركجي، مدير الجناح الكردي، أن هذا الحضور يمثل جسراً للتواصل بين مكونات الشعب السوري، وفرصة للتعبير عن غنى الثقافة الكردية التي ظلت مهمشة ومحاربة لعقود، مشيراً إلى أن تداول هذه الكتب كان يتم سراً وبمخاطر أمنية كبيرة في ظل النظام السابق.
جدل ديني وسياسي: حدود الحرية والمسؤولية
رغم الأجواء الاحتفالية، لم يخلُ المعرض من إثارة الجدل، خاصة مع عرض بعض العناوين الدينية المتطرفة، مثل كتاب “هل أتاك حديث الرافضة” الذي يفرغ صوتيات لأبي مصعب الزرقاوي. هذا الكتاب أثار حفيظة أوساط ثقافية سورية، كما وردت تقارير عن طلب الاستخبارات العراقية حظره بدعوى تهديد السلم الأهلي.
من جانبها، دافعت “دار نقش”، الناشرة للكتاب، عن حق القارئ في الاختيار، مؤكدة أن عرض الكتاب لا يعني تبني أفكاره، بل هو تجسيد لمبدأ حرية النشر التي تفتقدها المنطقة. وأكد عمر الحسن، المدير التنفيذي للدار، أن الاهتمام بالسلم الأهلي وبناء الدولة الجديدة هو أولوية، لكن دون اللجوء إلى مقص الرقيب.
مقاطعة واحتجاج: الوجه الآخر للمشهد
على المقلب الآخر، رفضت بعض دور النشر والمثقفين المشاركة في المعرض، معتبرين إياه واجهة تجميلية لواقع هش. “دار آفا” للنشر، ومقرها مدينة كوباني (عين العرب)، أعلنت مقاطعتها للمعرض لأسباب وصفتها بالأخلاقية، متهمة الجهات المنظمة بمحاصرة مدينتهم وقطع الخدمات الأساسية عنها.
شيرزاد بصراوي، المدير التنفيذي للدار، عبّر بنبرة حزينة عن استحالة المشاركة في نشاط ثقافي بينما تعاني مدينتهم من ويلات الحصار والقتل، مشيراً إلى سقوط ضحايا من عائلته في مواجهات أخيرة. في المقابل، نفي مسؤولون في حلب هذه الاتهامات، مؤكدين عدم وجود أي حصار أو عمليات قتل خارج القانون، مما يعكس حجم التعقيدات السياسية والأمنية التي لا تزال تظلل المشهد السوري رغم الانفتاح الثقافي الذي يحاول معرض دمشق الدولي للكتاب تكريسه.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً