حواسيب تعمل بالضوء.. هل تنقذ الذكاء الاصطناعي من أزمة الطاقة؟

حواسيب تعمل بالضوء.. هل تنقذ الذكاء الاصطناعي من أزمة الطاقة؟

ثورة الضوء في عالم الحوسبة

قد تبدو فكرة الحواسيب التي تستخدم الضوء بدلاً من الدوائر الكهربائية التقليدية لإجراء العمليات الحسابية وكأنها مقتبسة من أحد أفلام الخيال العلمي، لكن الباحثين يعملون على هذا النهج المبتكر منذ سنوات. تُعرف هذه الأجهزة باسم “الحواسيب الضوئية” (Optical Computers)، وتسعى المختبرات حول العالم لاستكشاف كيف يمكن لهذه التقنية أن تصبح جزءاً من حياتنا اليومية.

في خطوة جديدة نحو هذا الهدف، نشر فريق من الباحثين في جامعة بنسلفانيا ورقة بحثية في مجلة Science Advances، تتناول كيف يمكن للحوسبة الضوئية أن تقلل بشكل جذري من استهلاك الطاقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. وصرح “شينغجي ني”، أستاذ الهندسة في جامعة بنسلفانيا وأحد مؤلفي الدراسة، بأن هذا العمل يمثل إثباتاً للمفهوم حول كيفية استفادة صناعة الذكاء الاصطناعي المتنامية من الحوسبة الضوئية مستقبلاً.

يقول ني: “أحياناً يأتي التقدم من إعادة التفكير في الفيزياء المألوفة بهدف جديد. ومن خلال مراجعة الأفكار الكلاسيكية في علم البصريات عبر منظور تحديات الذكاء الاصطناعي الحديثة، يمكننا فتح آفاق عملية جديدة لأجهزة حوسبة أسرع وأكثر رفقاً بالبيئة”.

معضلة استهلاك الطاقة في عصر الذكاء الاصطناعي

مع تزايد اعتماد الأفراد والشركات على تقنيات الذكاء الاصطناعي، تبرز مشكلة تكاليف الطاقة كقضية ملحة. تتطلب منتجات مثل ChatGPT قدرات حوسبة هائلة، مما يؤدي إلى استهلاك كميات ضخمة من الكهرباء. وتشير تقديرات الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أن مراكز البيانات استحوذت على حوالي 1.5% من استهلاك الطاقة العالمي في عام 2024، مع توقعات بأن يتضاعف هذا الرقم بحلول عام 2030.

لهذا السبب، يمثل استخدام طريقة حوسبة بديلة لتقليل الطاقة التي يستهلكها الذكاء الاصطناعي احتمالاً جذاباً للغاية. الحواسيب الضوئية، التي تستخدم الفوتونات (الضوء) بدلاً من الإلكترونات (الكهرباء)، لا تزال تندرج تحت فئة المشروعات الطموحة التي قد تستغرق سنوات قبل الوصول إلى الاستخدام التجاري الواسع، رغم أن جذور معالجة المعلومات ضوئياً تعود لستينيات القرن الماضي.

التحديات التقنية وابتكار “مرآة اللانهاية”

تواجه الحوسبة الضوئية تحديات حقيقية في جعل الضوء يطوع نفسه لأداء الوظائف المعقدة التي تتطلبها الشبكات العصبية (Neural Networks). فبينما يتحرك الضوء طبيعياً في خطوط مستقيمة، تحتاج معالجة البيانات إلى أنظمة بصرية تنتج وظائف “غير خطية” (Nonlinear Functions). ولتحقيق ذلك، تتطلب الحواسيب الضوئية عادةً مواد معقدة التصنيع وتستهلك طاقة عالية، مما قد يلغي ميزة كفاءة الطاقة الأصلية للضوء.

وهنا يأتي ابتكار فريق جامعة بنسلفانيا، حيث وجدوا حلاً ذكياً يتمثل في استخدام إعداد يشبه “مرآة اللانهاية” (Infinity Mirror). يقوم هذا النظام بتدوير العناصر الضوئية الصغيرة وتشفير البيانات مباشرة في حزم الضوء، مما يخلق علاقة غير خطية بمرور الوقت. ثم يتم التقاط أنماط الضوء الناتجة بواسطة كاميرا مجهرية.

يوضح ني قائلاً: “الخلاصة هي أن الهيكل البصري المصمم بعناية يمكنه إنتاج السلوك المطلوب للذكاء الاصطناعي دون الاعتماد على مواد معقدة أو ليزرات عالية الطاقة. من خلال السماح للضوء بـ ‘التردد’ داخل النظام، نولد هذا التmapping غير الخطي مع الحفاظ على بساطة الأجهزة وسرعتها وانخفاض استهلاكها للطاقة”.

المستقبل: نظام هجين بين الإلكترونيات والبصريات

رغم إثارة هذا المفهوم، إلا أن تحويل النموذج الأولي إلى نظام تطبيقات واقعية سيستغرق وقتاً واستثمارات كبيرة. ويقر “ني” بأننا لا نزال على بعد سنوات من رؤية حواسيب ضوئية للذكاء الاصطناعي في الأسواق، مقدراً الجدول الزمني للوصول إلى نماذج تجريبية صناعية بحوالي سنتين إلى خمس سنوات.

من جانبه، ذكرت “فرانشيسكا بارميجياني”، مديرة الأبحاث في Microsoft Research، أن الرقائق الضوئية قد تعمل يوماً ما جنباً إلى جنب مع وحدات معالجة الرسومات (GPUs) التقليدية لمساعدة أنظمة الذكاء الاصطناعي على أداء مهام محددة. وأضافت: “الحوسبة الضوئية لديها القدرة على إجراء عمليات متوازية أكثر بكثير وبسرعات أعلى بكثير من الأجهزة الرقمية التقليدية”.

وفي الختام، لن تستبدل الحواسيب التقليدية بالحواسيب الضوئية في القريب العاجل، بل الهدف هو نهج هجين: تظل الإلكترونيات تتعامل مع الحوسبة العامة والذاكرة والتحكم، بينما تتولى البصريات تسريع الحسابات الضخمة التي تستهلك معظم وقت وطاقة الذكاء الاصطناعي.

المصدر: CNET

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *