خديعة التسويف: كيف تكسر قيود الأوهام وتغتنم عمرك في الخير؟

# خديعة التسويف: كيف تكسر قيود الأوهام وتغتنم عمرك في الخير؟

إن المتأمل في كنوز التراث الإسلامي يجد أن علماءنا الأجلاء لم يكتفوا بنقل الأحكام الشرعية فحسب، بل غاصوا في أعماق النفس البشرية، فحللوا أدواءها ووصفوا دواءها. ومن هؤلاء الأعلام الإمام القرطبي رحمه الله، الذي لم يكن كتابه (الجامع لأحكام القرآن) مجرد سفر عظيم في التفسير والفقه، بل كان منارة فكرية، وموسوعة لغوية وتاريخية، وروضة غناء من الحكم والمواعظ التي تلامس واقعنا المعاصر بدقة مذهلة.

في رحاب مدرسة القرطبي، نقتبس قبساً من نور العلم والحكمة، لنسلط الضوء على قضية جوهرية تمس حياة كل مسلم: وهي الأوهام التي تحول بين المرء وبين مسارعته في الخيرات.

طبيعة النفس البشرية بين النشاط والفتور

روى الإمام القرطبي في الجزء الأول من تفسيره أثراً بليغاً عن قتادة رحمه الله، يضع فيه يده على مكمن الداء في النفس البشرية، حيث قال: “يابن آدم! إن كنت لا تريد أن تأتي الخير إلا عن نشاط، فإن نفسك مائلةٌ إلى السَّآمة والفترة والمَلَّةِ؛ ولكن المؤمن هو المتحامل، والمؤمن هو المُتقوِّي، والمؤمن هو المتشدِّد، وإن المؤمنين هم العجّاجون إلى الله الليلَ والنهارَ”.

هذا النص يختصر صراعاً أزلياً يعيشه الإنسان؛ فالنفس بطبعها تميل إلى الراحة والدعة، وتتثاقل عن الطاعات إذا غاب عنها الحافز اللحظي أو النشاط البدني. فإذا رهن المسلم عمله الصالح بحالته النفسية أو نشاطه الجسدي، فإنه سيجد نفسه غارقاً في بحار التسويف، لأن لحظات النشاط قد تندر، بينما تطغى السآمة والملل على الكثير من الأوقات.

المؤمن الحق، كما وصفه قتادة، هو الذي “يتحامل” على نفسه، أي يضغط عليها ويجبرها على الطاعة رغم التعب، وهو “المتقوي” بالله الذي يستمد منه العزيمة حين تضعف الهمة، وهو “المتشدد” في محاسبة نفسه والمحافظة على أوراده، لا يتركها للهوى والظروف.

آفة التسويف: المرض القديم المتجدد

لا يكاد يوجد مسلم على وجه الأرض إلا وفي قلبه بذرة حب للخير ورغبة في نيل رضا الله، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا نرى المبادرة في زماننا قلة قليلة؟ ولماذا يتراجع الكثيرون عن تحقيق طموحاتهم الإيمانية؟

قد يتذرع البعض بنقص الإمكانات أو ضيق الوسائل، والحقيقة أن الإنسان معذور شرعاً إذا عجز حقيقةً، ولكن المأساة تكمن في أن السواد الأعظم من المفرطين لا يعيقهم عجز حقيقي، بل يعيقهم وهم قاتل يسمى “التسويف”.

التسويف هو تلك الخديعة الشيطانية التي تجعل الإنسان يؤجل خير اليوم إلى غدٍ قد لا يأتي، مستنداً إلى أماني باطلة وظروف متوهمة. دعونا نتأمل في تلك الحلقات المفرغة التي يقع فيها الكثيرون:

1. وهم الغنى والصدقة

يقول القائل: “سأتصدق حينما يفيض مالي ويكثر دخلي”. وهذا وهم عظيم، فالواقع يثبت أن حب الدنيا يزداد مع زيادة المال، وأن الذي لا يعود نفسه الإنفاق من القليل، سيجد صعوبة بالغة في الإنفاق من الكثير. إن التعلق بالمال ينمو مع نمو الثروة، والإحساس بأن ما جُمع بجهد جهيد لا يمكن التفريط فيه يصبح قيداً يمنع اليد من العطاء.

2. وهم الكبر والأمر بالمعروف

يقول الشاب: “سآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر حينما أكبر وأحصل على مكانة اجتماعية أو مؤهل رفيع”. والحقيقة أن هذه الشعيرة لا ترتبط بسن معينة، بل هي واجبة على كل مسلم بحسب قدرته. ومن لم يعتد قول الحق ونشر الخير في شبابه، فسيجد نفسه في كبره مكبلاً بضغوط الحياة وحسابات المصالح، وقد يفقده الكبر حيوية التغيير.

3. وهم بر الوالدين في المستقبل

يظن البعض أن البر الحقيقي يبدأ حين يشيخ الوالدان وتشتد حاجتهما. وهذا خطأ فادح؛ فالبر ممارسة يومية تبدأ منذ الصغر، وهو تدريب روحي وتطبيق عملي على الوفاء. إن القرب من الوالدين في حال قوتهما ونشاطهما هو الذي يبني جسور المودة التي سيعبر عليها البر في حال ضعفهما. فكيف يبر والديه في كبرهما من اعتاد البعد عنهما والاشتغال عنهم في شبابه؟

4. وهم التفرغ للعبادة والنوافل

يتعلل البعض بضغوط العمل والحياة لتأجيل صيام النوافل وقيام الليل، قائلين: “سأتفرغ للعبادة حين أكبر وأتقاعد”. ولكن الجسد في الكبر يضعف، والهمم قد تفتر، والسن لا يضمن للإنسان البقاء. إن العبادة في حال الشباب والنشاط لها طعم خاص وأجر عظيم، وهي الحصن الذي يحمي الإنسان من فتن الحياة.

5. خديعة التفرغ للقراءة والثقافة

أما المثقفون، فغالباً ما يقعون في فخ “التفرغ للقراءة”. يظنون أن الثقافة ترف يمكن تأجيله حتى تهدأ مشاغل الحياة. والحقيقة أن القراءة كالغذاء والماء، يحتاجها العقل والروح يومياً. إن القناعة بأهمية العلم تنمو مع الفرد، ومن لم يتلذذ بثمار القراءة في صغره وشبابه، فلن يجد لها طعماً في كبره، وسرعان ما سيغلبه الخمول والكسل عند أول صفحة يقرؤها.

6. تسويف فريضة الحج

كم من قادر يؤجل حجه بحجة تحسن الظروف أو قلة الزحام أو زوال المخاطر المتوهمة. والظروف في تقلب مستمر، والعمر يمضي، وقد يأتي اليوم الذي يملك فيه الإنسان المال والظروف لكنه يفتقد الصحة والقدرة البدنية، فيندم حين لا ينفع الندم.

المنهج النبوي في اغتنام العمر

لقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم علاج آفة التسويف في كلمات جامعة مانعة، حيث قال: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك» (رواه الحاكم وصححه).

هذا الحديث هو الدستور العملي لكل من أراد النجاة من فخ الأوهام. فالمستقبل الذي ننتظره قد يأتي وقد لا يأتي، وإذا جاء فقد يأتي محملاً بهموم جديدة وأشغال مضاعفة. فالعمر يكبر، والمسؤوليات تزداد، والعيال يكثرون، وما كان سهلاً اليوم قد يصبح عسيراً غداً.

إن الشيطان يستخدم التسويف كأحد أقوى حبائله ليصرف المؤمن عن معالي الأمور. فإذا لم ينجح في إيقاعك في المعصية، حاول إيقاعك في “تأجيل الطاعة”، والنتيجة في النهاية واحدة: ضياع العمر فيما لا ينفع.

حقائق من واقع الحياة

إذا نظرنا إلى الواقع بعين البصيرة، سنجد حقائق تؤكد زيف أوهام التسويف:
1. الإنفاق: نجد كثيراً من البسطاء والفقراء أكثر سخاءً وأدوم نفقة من بعض الأثرياء، لأن قلوبهم لم تتشرب حب الدنيا كما تشربته قلوب من كنزوا الأموال.
2. النشاط التعبدي: نرى في بيوت الله شباباً يواظبون على النوافل والقيام والصيام بهمة تفوق الكثير من الكبار، مما يثبت أن العبادة توفيق من الله وليست مسألة وقت أو سن.
3. التأثير الاجتماعي: إن القدرة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في محيط الأسرة والمجتمع تكون في أوجها وقت الشباب، حيث الحماسة والصدق والقدرة على التأثير.
4. الاستمرارية: القاعدة الذهبية تقول: “من شبّ على شيء شاب عليه”. فمن اعتاد المبادرة للخير وهو شاب، ظل مبادراً وهو شيخ، ومن اعتاد الكسل والتسويف، وجد صعوبة بالغة في التغيير عند الكبر.

الخاتمة: الاستعانة بالصبر والصلاة

لقد صدق قتادة في وصفه للنفس بأنها تميل للفتور، وصدق في وصف المؤمن بأنه المتشدد في الحق. والمقصود بالتشدد هنا هو الحزم مع النفس، وإلزامها بالمداومة على أعمال الخير، وهي شدة محمودة تهدف إلى الرقي بالروح لا إلى التضييق على الآخرين.

ولكي ننتصر في معركتنا ضد التسويف، لابد لنا من سلاح إلهي، وقد أرشدنا الله تعالى إليه بقوله: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} (البقرة: 45). فالصلاة هي الوقود الروحي الذي يمنح المسلم القوة لمواجهة خمول نفسه، وهي العون الأكبر على بقية العبادات والقربات.

فلنبادر إلى الخيرات، ولنحطم قيود الأوهام، ولنؤمن يقيناً بأن “خير البر عاجله”، وأن اليوم هو وقت العمل، أما الغد فهو في علم الغيب، ولا يملك الإنسان من عمره إلا اللحظة التي هو فيها.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *