مقدمة: منحة ربانية وفرصة عمر غالية
الحمد لله الذي جعل المواسم تترى، وفتح لعباده أبواب الخيرات ليتزودوا من التقوى، والصلاة والسلام على من كان أجود الناس بالخير، وأسرعهم إلى مرضاة ربه في كل أمر، وبعد؛ فإن بلوغ شهر رمضان المبارك ليس مجرد مرور زمني في تقويم الأيام، بل هو اصطفاءٌ إلهي ومنحة ربانية لا يعرف قدرها إلا المحرومون. إن بقاءك على قيد الحياة حتى تدرك هذا الشهر الكريم هو فرصة جديدة لكتابة فصلٍ مشرق في صحيفتك، وهو غنيمة باردة ساقها الله إليك لتستدرك ما فات، وتصلح ما فسد، وترتقي في درجات الجنة درجاتٍ لا يبلغها غيرك إلا بمثل عملك.
تأمل يا رعاك الله في هذا الحديث العظيم الذي يهز الوجدان، ويصحح الموازين التي غابت عن الكثيرين في فضل طول العمر مع حسن العمل، وفضل إدراك هذا الشهر العظيم.
القصة التي أذهلت الصحابة: كيف يسبق العابدُ الشهيدَ؟
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -رضى الله عنه- «أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: (مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟)، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟)، قَالُوا: بَلَى، قَالَ: (وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ، فَصَامَ وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟)، قَالُوا: بَلَى؟ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- (فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)».
هذا الحديث يضعنا أمام حقيقة مذهلة؛ أن إدراك رمضان، وصيامه، والقيام فيه، والسجود لله عز وجل خلال سنة كاملة، قد يرفع العبد منزلة تفوق منزلة الشهيد الذي قُتل في سبيل الله! فما أعظمه من فضل، وما أكرمه من رب.
أولاً: أعظم النعم طول العمر مع حُسْن العمل
إن امتداد الأنفاس في طاعة الله هو رأس مال المؤمن، فكل يوم يعيشه المسلم هو غنيمة لا تقدر بثمن، كما قال سعيد بن جبير: “كلُّ يومٍ يعيشُه المؤمنُ غنيمةٌ”. وقيل في وصف بقية عمر المؤمن: “إن بقية عمر المؤمن لا قيمةَ له”؛ أي لا مثيل له في القيمة والنفاسة.
وقد تضافرت الأحاديث النبوية لتؤكد هذا المعنى الجليل، ومنها:
1. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «(أَلاَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِكُمْ)؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: (خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالاً)».
2. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ -رضى الله عنه- «أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: (مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ)».
3. عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ لُبابة بنت الحارث الهلالية -رضى الله عنها- «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- دَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ وَهُوَ يَشْتَكِي، فَتَمَنَّى الْمَوْتَ، فَقَالَ: (يَا عَبَّاسُ، يَا عَمَّ رَسُولِ اللهِ، لاَ تَتَمَنَّ الْمَوْتَ، إِنْ كُنْتَ مُحْسِنًا تَزْدَادُ إِحْسَانًا إِلَى إِحْسَانِكَ خَيْرٌ لَكَ، وَإِنْ كُنْتَ مُسِيئًا، فَإِنْ تُؤَخَّرْ تَسْتَعْتِبْ مِنْ إِسَاءَتِكَ خَيْرٌ لَكَ)».
لذا، لا ينبغي للمسلم أن يتبرم من الحياة أو يتمنى الموت لضيق حال أو بلاء، ففي بقائه فرصة للتوبة والاستزادة، فعن أَبي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: « سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: (لاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادُ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)».
ثانياً: وقت المؤمن كنز لا يُقدَّر بثمن
يقول الإمام الغزالي كلاماً يكتب بماء الذهب: “أوقاتك عمرك، وعمرك رأس مالك، وعليه تجارتك، وبه وصولك إلى نعيم دار الأبد في جوار الله تعالى؛ فكلُّ نَفَسٍ مِن أنفاسِكَ جوهرةٌ لا قيمةَ لها؛ إذ لا بدل له فإذا فات فلا عود له”.
إن استغلال الوقت في التسبيح والتهليل والتكبير يرفع العبد عند الله مقامات علية، وتأمل هذا الحديث الآخر الذي يرسخ هذه القيمة؛ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَدَّادٍ -رضى الله عنه- أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلاَثَةً، أَتَوْا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- فَأَسْلَمُوا، فاستشهد الأول ثم الثاني ثم مات الثالث على فراشه، فرآهم طلحة في الجنة، وكان الميت على فراشه أمامهم في المنزلة! فقال رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: «(وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الإِِسْلامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ)».
وكان الحسن البصري يحذر من ضياع الأنفاس قائلاً: “المبادرَة المُبادَرَة، فإنَّمَا هيَ الْأَنفاسُ، لَو قَدْ حُبِسَتِ انقَطعتْ عنْكُمْ أَعْمالُكُم التِي تُقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ”.
ثالثاً: عظمة شهر رمضان وعلو قدر ساعاته
إذا كان الوقت غاليًا في كل حين، فإنه في رمضان يفوق كل وصف. إن ساعات رمضان هي أنفس ساعات العمر، فيها تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد الشياطين. إنها أيامٌ معدودات، لكنها في ميزان الله ثقيلة.
من كرم الله في رمضان أن جعل أجر الصيام غير محدود بضابط عددي معين كباقي الأعمال، بل نسبه لنفسه الكريمة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «(مَا مِنْ حَسَنَةٍ عَمِلَهَا ابْنُ آدَمَ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ جُنَّةٌ. لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ)».
رابعاً: بلوغ رمضان مِنَّةٌ تستوجب الشكر
يا لها من نعمة أن يبلغك الله ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر! إن بلوغ رمضان يستوجب سجدة شكر طويلة، وعزيمة صادقة على التغيير. لقد كان السلف الصالح يدركون هذه القيمة حق الإدراك، فكانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم.
يقول ابن رجب رحمه الله: “بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه”. فكم من حبيب كان معنا في رمضان الماضي، وهو الآن تحت التراب يتمنى سجدة واحدة أو تسبيحة واحدة، لكن حيل بينه وبين ما يشتهي.
خامساً: أمنية أهل القبور.. لو عادوا ليوم واحد!
قف عند القبور وتأمل، لو نطق أهلها ماذا سيقولون؟ سيتمنون يوماً واحداً من أيام رمضان، أو ركعتين خفيفتين. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضى الله عنه- قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى قَبْرٍ دُفِنَ حَدِيثًا فَقَالَ: «(رَكْعَتَانِ خَفِيفَتَانِ مِمَّا تَحْقِرُونَ وَتَنْفِلُونَ يَزِيدُهُمَا هَذَا فِي عَمَلِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ بَقِيَّةِ دُنْيَاكُمْ)».
فيا من أدركت رمضان وأنت في كامل صحتك وعافيتك، لا تضيع هذه الجوهرة في لهو أو غفلة. تذكر قول الشاعر:
يا ذَا الَّذِي ما كَفَاهُ الذَّنْبُ في رَجَبٍ… حَتَّى عَصَى رَبَّهُ في شَهْرِ شَعْبَانِ
لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدَهُما… فَلا تُصَيِّرْهُ أَيْضاً شَهْرَ عِصْيَانِ
وَاقْرَأ القُرَانَ وَسَبِّحْ فِيهِ مُجْتَهِداً… فَإِنَّهُ شَهْرُ تَسْبِيحٍ وَقُرْآنِ
خاتمة: نداء للمبادرة والمسارعة
أيها المسلم المبارك، إن بقاءك إلى رمضان هو إعلان من الله بأنه يحبك، وأنه يريد أن يعطيك فرصة أخرى لتعتق رقبتك من النار. فاجعل شعارك في هذا الشهر: {{وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}}. بادر بالأعمال الصالحات، وجاهد نفسك في الطاعات، وعمر أوقاتك بالذكر والقرآن، فربما يكون هذا الرمضان هو آخر رمضان في عمرك، فاجعله خير رمضان مرَّ عليك منذ أن خلقك الله.
اللهم سلمنا إلى رمضان، وسلم لنا رمضان، وتسلمه منا متقبلاً، واجعلنا فيه من الفائزين المقبولين، ومن عتقائك من النار يا أكرم الأكرمين.

اترك تعليقاً