اقتصاد رمضان في أوروبا: من ممارسة دينية إلى محرك رأسمالي بمليارات اليورو
لم يعد شهر رمضان في القارة العجوز مجرد شعيرة دينية تمارس خلف الأبواب المغلقة، بل تحول إلى ظاهرة اقتصادية كبرى تتسابق عليها كبرى شركات التجزئة العالمية. من باريس إلى لندن وبرلين، أصبحت العروض التسويقية الرمضانية تنافس في كثافتها موسم عيد الميلاد، مما يكشف عن تحول عميق في بنية اقتصاد رمضان في أوروبا.
التحول التاريخي: من "اقتصاد المهاجرين" إلى قلب الرأسمالية
مرّ وجود الإسلام الاقتصادي في أوروبا بثلاث مراحل مفصلية شكلت المشهد الحالي:
- مرحلة التأسيس (1945-1975): كان المسلمون يُنظر إليهم كوحدات عمل فقط، وكان رمضان شأناً خاصاً جداً واستهلاكاً هامشياً مرتبطاً بمتاجر البقالة الصغيرة.
- مرحلة الاستقرار (الثمانينيات): مع سياسات لم شمل الأسر، ظهرت الحاجة لمنتجات ثقافية ودينية دائمة، وبرز "الجزار الحلال" كمعلم حضري.
- مرحلة المؤسسية (التسعينيات وما بعدها): أدركت شركات التجزئة الكبرى مثل "كارفور" و"تيسكو" القوة الشرائية للمسلمين، وبدأت في تحويل رمضان إلى موسم تجاري رسمي.
صناعة "الحلال": عندما تصبح العقيدة علامة تجارية
كان التطور المحوري في دمج رمضان داخل الرأسمالية الأوروبية هو "تقنين الحلال". لم يعد الحلال مجرد ثقة بين المشتري والجزار، بل تحول إلى صناعة شهادات ومعايير دولية.
- الهيمنة المؤسسية: دخلت شركات عملاقة مثل "نستله" بقوة في هذا القطاع.
- الميزة التنافسية: استغلت الشركات الفوارق الفقهية لخلق ميزة ربحية، حيث يتم عرض المنتجات الحلال جنباً إلى جنب مع المنتجات التقليدية، مما ألغى الحاجة للمتاجر العرقية الصغيرة.
لغة الأرقام: مليارات اليورو في سوق الصيام
يعكس اقتصاد رمضان في أوروبا أرقاماً ضخمة تجذب المستثمرين:
- فرنسا: يُدر سوق الحلال أكثر من 5.7 مليار يورو سنوياً، ومن المتوقع أن يصل إلى 12 مليار يورو بحلول عام 2025.
- أوروبا عامة: وصل حجم سوق الأغذية والمشروبات الحلال إلى 93 مليار دولار في 2025، مع توقعات بنموه ليصل إلى 134 مليار دولار بحلول 2030.
- النمو الرقمي: تشهد تطبيقات توصيل الطعام مثل "Uber Eats" و"Deliveroo" قفزات هائلة في الطلبات خلال ساعات الإفطار.
المفارقة الكبرى: الترحيب بالمستهلك ورفض المواطن
يعيش المسلم الأوروبي اليوم وضعاً "هشاً" ناتجاً عن صراع نوعين من الرأسمالية:
- الرأسمالية المعولمة: ترى في المسلم "مستهلكاً صالحاً" ومربحاً، فتروج للتعددية الثقافية غير المسيسة لتعظيم أرباحها.
- الرأسمالية القومية: المتحالفة مع اليمين المتطرف، والتي تصور الوجود الإسلامي كتهديد للهوية والسيادة الاقتصادية.
هذا التوتر يخلق ثنائية غريبة؛ فالمجتمع قد يرفض الحجاب في الأماكن العامة (بمنطق سياسي)، لكنه يرحب بالمحجبة في السوبر ماركت (بمنطق استهلاكي). السوق هنا يستبدل المواطنة الحقيقية بـ "مواطنة المستهلك".
رؤى فكرية: بين مكسيم رودنسون وسيد قطب
يحلل المقال هذه الظاهرة من منظور فكري عميق:
- مكسيم رودنسون: يرى أن الإسلام لا يتعارض بنيوياً مع الرأسمالية، بل هو نظام متوافق مع روح التجارة.
- سيد قطب: كان يرفض الرأسمالية كمنظومة مادية تنافس الإسلام على ولاء البشر.
الخلاصة: إن نجاح الرأسمالية في استيعاب رمضان وتسليعه يؤكد رؤية رودنسون، لكن استمرار تهميش المسلمين سياسياً يغذي هواجس قطب حول فقدان الجوهر الروحي والسياسي لصالح الاستهلاك المادي.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً