مقدمة: لغز الاندماج الكبير وتحدي الأكسجين
يتفق المجتمع العلمي على نطاق واسع أن الحياة المعقدة ظهرت نتيجة شراكة وثيقة وفريدة بين ميكروبين مختلفين تماماً. أدى هذا الاندماج في نهاية المطاف إلى ظهور النباتات، والحيوانات، والفطريات، وهي الكائنات التي نطلق عليها مجتمعة اسم «حقيقيات النوى» (Eukaryotes). ومع ذلك، ظل سؤال جوهري يؤرق العلماء لسنوات طويلة: كيف التقى هذان الكائنان إذا كان أحدهما يحتاج إلى الأكسجين للبقاء، بينما كان يُعتقد أن الآخر لا يزدهر إلا في بيئات خالية تماماً من الأكسجين؟
اليوم، يقدم باحثون من جامعة تكساس في أوستن أدلة قد تحل هذا اللغز التاريخي. ففي دراسة نُشرت في دورية Nature المرموقة، ركز الفريق على مجموعة من الميكروبات تسمى «عتائق أسغارد» (Asgard archaea)، وهي الكائنات التي تُعتبر أقرب الأقرباء المعاصرين لأسلاف الحياة المعقدة. ورغم أن معظم عتائق أسغارد المعروفة تعيش في أعماق البحار أو بيئات فقيرة بالأكسجين، إلا أن الدراسة الجديدة تثبت أن بعض أعضاء هذه المجموعة يمكنهم تحمل الأكسجين بل واستهلاكه أيضاً.
منهجية البحث: ثورة في البيانات والذكاء الاصطناعي
بدأ هذا العمل الضخم كجزء من بحث الدكتوراه للباحثة كاثرين آبلر في معهد العلوم البحرية التابع لجامعة تكساس في عام 2019. تضمن المشروع جهداً بحثياً هائلاً شمل تحليل حوالي 15 تيرابايت من الحمض النووي البيئي، وتجميع أكثر من 13,000 جينوم ميكروبي جديد من رحلات بحرية متعددة.
استخدم الفريق تقنيات تسلسل متطورة سمحت لهم بمضاعفة التنوع الجيني المعروف لعتائق أسغارد. ومن خلال مقارنة أوجه التشابه والاختلاف الجيني، بنى الباحثون شجرة حياة موسعة لهذه العتائق. ولتجاوز مجرد تحديد الجينات إلى فهم وظائفها، استعان الفريق بنظام الذاء الاصطناعي AlphaFold2 للتنبؤ بالأشكال ثلاثية الأبعاد للبروتينات. وبما أن بنية البروتين تحدد وظيفته، فقد مكن هذا التحليل العلماء من التأكد من أن بروتينات معينة في مجموعة «هيمدالارشيا» (Heimdallarchaeia) تشبه إلى حد بعيد تلك التي تستخدمها الخلايا حقيقية النوى في عملية التمثيل الغذائي المعتمدة على الأكسجين.
الأهمية العلمية: التزامن مع حدث الأكسدة العظيم
تتوافق هذه النتائج بشكل مذهل مع السجل الجيولوجي للأرض. فقبل أكثر من 1.7 مليار سنة، كانت مستويات الأكسجين في الغلاف الجوي منخفضة للغاية، ثم ارتفعت بشكل حاد فيما يعرف بـ «حدث الأكسدة العظيم». وتظهر السجلات الأحفورية أن أولى حقيقيات النوى بدأت في الظهور بعد وقت قصير جداً من هذا الارتفاع الدراماتيكي.
يوضح بريت بيكر، الأستاذ المشارك في علوم البحار: «لقد ظهر الأكسجين في البيئة، وتكيفت عتائق أسغارد مع ذلك. لقد وجدوا ميزة طاقوية في استخدام الأكسجين، ثم تطوروا إلى حقيقيات النوى». هذا الاكتشاف يعزز النموذج السائد الذي يرى أن حقيقيات النوى نشأت عندما شكلت عتائق أسغارد علاقة تكافلية مع «ألفا بروتوباكتيريا» (alphaproteobacterium)، والتي اندمجت معها بمرور الوقت لتصبح «الميتوكوندريا»، وهي محطات توليد الطاقة داخل خلايانا اليوم.
الخلاصة والآفاق المستقبلية
إن الكشف عن وجود عتائق «محبة للأكسجين» يردم الفجوة المعرفية حول كيفية نشوء الحياة المعقدة في بيئة متغيرة كيميائياً. لم يكتفِ البحث بتوسيع شجرة الحياة الميكروبية، بل ضاعف أيضاً عدد الأصناف الإنزيمية المعترف بها داخل هذه الميكروبات.
تفتح هذه الدراسة الباب أمام فهم أعمق لكيفية انتقال الحياة من البساطة الميكروبية إلى التعقيد البيولوجي الذي نراه اليوم. وبفضل أدوات مثل AlphaFold2، أصبح بمقدور العلماء الآن إعادة بناء العمليات الحيوية لكائنات انقرضت أسلافها منذ مليارات السنين، مما يمهد الطريق لاكتشافات مستقبلية حول كيفية تطور الآليات الخلوية المعقدة التي ميزت مسار الحياة على كوكبنا.
المصدر العلمي: ScienceDaily


اترك تعليقاً