أخطاء صلاة التراويح: 10 تنبيهات هامة للمصلين في رمضان

# أخطاء شائعة في القيام: نحو عبادة أصح وأكمل في شهر القرآن

الحمد لله الذي جعل الصلاة قرة لعيون المؤمنين، وجعل قيام الليل دأب الصالحين، والصلاة والسلام على إمام المتهجدين وسيد القائمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فإن شهر رمضان المبارك هو واحة المتقين، وموسم المتاجرين مع الله رب العالمين، هو شهرٌ تفتح فيه أبواب الجنان، وتغلق فيه أبواب النيران، وتصفد فيه الشياطين. ومن أعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه في هذا الشهر الكريم صلاة القيام، تلك الشعيرة العظيمة التي تضيء القلوب وتزكي النفوس. إلا أنه، ومع حرص المسلمين على هذه العبادة، قد تقع بعض الممارسات والأخطاء التي قد تخدش جمال هذه العبادة أو تنقص من أجرها، ولأن النصيحة هي عماد الدين، وجب التنبيه على جملة من هذه الأخطاء ليتجنبها المسلم ويكون قيامه على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى.

أولاً: التهاون في أداء صلاة التراويح والزهد في فضلها

من المؤسف أن نرى بعض المسلمين يتهاونون في أداء صلاة التراويح بحجة أنها سنة وليست فريضة. نعم، هي سنة مؤكدة، ولكن هل يليق بالمؤمن الطامع في جنة عرضها السماوات والأرض أن يفرط في هذا الثواب الجزيل؟ إننا نرى الرجل يضيع الساعات الطوال في المجالس، أو في التجوال في الأسواق، أو أمام شاشات التلفاز والهواتف، في أمورٍ ضررها غالباً ما يفوق نفعها، ثم إذا نودي لصلاة القيام استثقلها وتكاسل عنها.

إن هذا النوع من الحرمان والغبن لا يدرك حقيقته إلا من عرف قدر قوله صلى الله عليه وسلم: “من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه”. والكمال في هذه العبادة أن يصلي المسلم مع الإمام حتى ينصرف، ليفوز بالأجر كاملاً، كما ورد في الحديث: “إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة”. فكيف يرضى العاقل بترك هذا الأجر العظيم مقابل دقائق من اللهو أو السمر؟

ثانياً: إهمال صلاة التراويح في ليلة الإعلان عن رمضان

من الأخطاء المتكررة التي يقع فيها الكثيرون، أنهم إذا تيقنوا من دخول الشهر برؤية الهلال، ظنوا أن العبادة تبدأ من فجر اليوم التالي، فيغفلون عن صلاة التراويح في الليلة الأولى. والحقيقة الشرعية أن ليلة اليوم تبدأ من غروب شمس اليوم الذي قبله، فبمجرد ثبوت رؤية هلال رمضان، نكون قد دخلنا فعلياً في أول ليلة من ليالي الشهر المبارك.

إن هذه الليلة هي باكورة النفحات، وهي البداية الحقيقية لسباق الطاعة، فمن السنة أن تجتمع الأمة في المساجد لإقامة صلاة التراويح جماعة منذ تلك الليلة، إعلاناً للفرح بقدوم الشهر، واستباقاً للخيرات، وتدريباً للنفس على الجد والاجتهاد منذ اللحظة الأولى.

ثالثاً: السرعة المفرطة من بعض الأئمة (هذّ الصلاة)

إن الصلاة صلة بين العبد وربه، وعمادها الخشوع والطمأنينة. ولكننا نلحظ في بعض المساجد تسابقاً محموماً من بعض الأئمة لإنهاء الصلاة في أسرع وقت ممكن، فيقرأ القرآن هذّاً كـ “هذّ الشعر”، ولا يراعي حدود الحروف ولا مخارجها، ويختطف الركوع والسجود اختطافاً يخل بركن الطمأنينة.

إن الهدف من صلاة التراويح ليس مجرد سرد ركيعات وإنهائها بأي شكل، بل المقصود هو تدبر آيات الله، والعيش في رحاب كلامه سبحانه. والواجب على الإمام أن يتقي الله فيمن خلفه، فإن لم يستطع ختم القرآن أو إطالة القراءة تخفيفاً على الناس، فلا أقل من أن يحسن صلاته، ويتم ركوعها وسجودها، ويحقق الطمأنينة التي هي ركن لا تصح الصلاة بدونه. إن الصلاة بلا خشوع كجسد بلا روح، فكيف يرجو الإمام والمأموم ثواباً في صلاةٍ لم يعقلا منها شيئاً؟

رابعاً: مسابقة المأموم لإمامه في أفعال الصلاة

هذه الظاهرة تعد من أقبح الأخطاء التي تقع في صلاة الجماعة عموماً وفي التراويح خصوصاً. فتجد المأموم يهوي للركوع أو السجود قبل إمامه، أو يرفع رأسه قبله، وهذا جهل عظيم بمقام الإمامة. إنما جعل الإمام ليؤتم به، فالمشروع في حق المأموم هو “المتابعة”، أي أن يبدأ بالفعل بعد أن ينقطع صوت الإمام بالتكبير وبدئه بالحركة.

وقد ورد وعيد شديد يزلزل القلوب لمن يسابق الإمام، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: “أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام، أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار”. وهذا التشبيه الغليظ يدل على قبح الفعل، فالمسابقة تبطل الأجر أو تنقصه، وقد تصل إلى بطلان الصلاة عند بعض الفقهاء إذا تعمد ذلك.

خامساً: الانشغال بحمل المصحف دون حاجة حقيقية

شاع بين المأمومين ظاهرة حمل المصاحف أثناء صلاة التراويح لمتابعة قراءة الإمام. ومع أن القصد قد يكون حسناً وهو التركيز، إلا أن هذا الفعل يترتب عليه محاذير شرعية؛ منها كثرة الحركة غير الضرورية في الصلاة (فتح المصحف، تقليب الصفحات، وضعه تحت الإبط)، ومنها انشغال البصر بغير مكان السجود، وتعطيل سنة وضع اليد اليمنى على اليسرى فوق الصدر.

والأصل أن يستمع المأموم وينصت، كما قال تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}. ولم يؤثر عن السلف حمل المصاحف خلف الإمام إلا لمن كان يفتح على الإمام ويصوبه إذا أخطأ أو تردد في القراءة. أما عامة المصلين، فالأولى في حقهم الخشوع والتدبر وترك المصاحف ليتفرغ القلب لسماع كلام الله.

سادساً: التكلف والإطالة في دعاء القنوت

الدعاء هو مخ العبادة، ولكن بعض الأئمة -هداهم الله- يحولون دعاء القنوت إلى ما يشبه الموعظة الطويلة، فيسجعون سجعاً متكلفاً، ويذكرون تفاصيل القبر وعذابه، وأحوال القيامة والبعث والنشور، ويطيلون إطالة تشق على الضعيف والكبير، وتسبب الملل والسآمة للمصلين.

إن السنة في الدعاء هي الجوامع من الكلم، والاقتداء بهدي النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء، ويدع ما سوى ذلك” (رواه أبو داود). والاعتداء في الدعاء منهي عنه، ومن صور الاعتداء الإطالة المفرطة والخروج عن مقصود الدعاء إلى الوعظ والإرشاد.

سابعاً: رفع الصوت بالدعاء والبكاء لدرجة التشويش

الأدب مع الله يقتضي خفض الصوت في الدعاء، قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين}. ومن الأخطاء رفع الصوت بالدعاء فوق الحاجة، أو الصراخ في القنوت، وهو ما ينافي السكينة والوقار.

وكذلك الحال في البكاء؛ فالبكاء من خشية الله علامة إيمان وصفاء قلب، وهو مطلوب عند سماع القرآن، لكن ينبغي للمؤمن أن يحرص على إخفائه ما استطاع، وأن يكون بكاؤه نشيجاً خفيفاً لا صراخاً وعويلاً يزعج المصلين ويشغلهم عن صلاتهم. إن الحرص على الإخفاء هو أقرب للإخلاص وأبعد عن الرياء، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة حين رفعوا أصواتهم بالتكبير قائلاً: “أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً” (متفق عليه).

ثامناً: تقديم البكاء في الدعاء على البكاء عند سماع القرآن

من الملاحظات الدقيقة أن بعض المصلين قد تمر عليه آيات الوعد والوعيد، والجنة والنار، وكلام الله العظيم، فلا تتحرك له دمعة، فإذا وصل الإمام إلى دعاء القنوت، وبدأ بنبرة حزينة، علا بكاؤه ونحيبه.

ولا شك أن الأولى والأعظم أثراً هو التأثر بكلام الله عز وجل، فهو الشفاء وهو الموعظة. فإذا كان البكاء عند الدعاء مشروعاً، فإن البكاء عند سماع القرآن هو دأب الأنبياء والصالحين، قال تعالى: {إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا}. فينبغي للمسلم أن يربي قلبه على الخشوع لكلام الله أولاً.

تاسعاً: هجر المساجد في العشر الأواخر للانشغال بالأسواق

هذه من أعظم الفواجع التي تتكرر كل عام؛ ففي الوقت الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخلت العشر “أحيا ليله، وأيقظ أهله، وجد وشد المئزر”، نجد كثيراً من المسلمين والمسلمات يتركون صلاة التهجد والقيام في هذه الليالي المباركة لينشغلوا بشراء ملابس العيد وحاجيات الزينة.

إن العشر الأواخر هي زبدة الشهر، وفيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، فكيف يفرط العاقل في ليلة تعادل عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة من أجل جولة في الأسواق يمكن قضاؤها في وقت آخر؟ إن هذا من تلبيس إبليس على العبد ليحرمه من أعظم جوائز العام.

عاشراً: إقامة جماعة ثانية للعشاء أثناء صلاة التراويح

يحدث أحياناً أن يدخل بعض المصلين وقد فاتتهم صلاة العشاء، والإمام يصلي التراويح، فيعمدون إلى إقامة جماعة مستقلة في مؤخرة المسجد. وهذا الفعل خاطئ لعدة أسباب؛ منها التشويش على المصلين، ومنها إظهار الفرقة في المسجد الواحد، ومنها مخالفة هدي الصحابة.

والصواب في هذه الحالة أن يدخل المأموم مع الإمام في صلاة التراويح بنية صلاة العشاء (اختلاف نية المأموم عن الإمام جائز)، فإذا سلم الإمام من الركعتين، قام المأموم وأتم بقية صلاته (أي يأتي بركعتين إضافيتين لتكتمل العشاء أربعاً)، وبهذا يحصل على فضل الجماعة ولا يحدث تشويشاً في بيت الله.

ختاماً، إن صلاة القيام مدرسة إيمانية كبرى، والحرص على تجنب هذه الأخطاء هو سبيلنا لتعظيم هذه الشعيرة. فلنحرص على أن يكون قيامنا خالصاً لوجه الله، موافقاً لسنة نبيه، مليئاً بالخشوع والطمأنينة، عسى الله أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، ويجعلنا من عتقائه من النار في هذا الشهر الكريم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *