# جوهر الصيام: تأملات في مقاصد رمضان الغائبة
يطل علينا شهر رمضان المبارك في كل عام، حاملاً معه نسايم الرحمة والمغفرة، ومبشراً بفرصة ذهبية للتغيير والارتقاء الروحي. ولكن، في زحام الحياة المعاصرة وطغيان الماديات، انحرفت بوصلة الكثيرين عن الغاية الأسمى لهذا الشهر الكريم. لقد تحول رمضان في أذهان البعض إلى موسم للطعام والشراب، أو مجرد طقوس اجتماعية تخلو من الروح والجوهر. إننا بحاجة ماسة اليوم إلى وقفة صدق مع النفس، نتأمل فيها: لماذا نصوم؟ وما هو رمضان الحقيقي الذي أراده الله لنا؟
وهم المطبخ: الصيام ليس غايته الإفطار
من أكبر الأخطاء التي نقع فيها هي تحويل نهار رمضان إلى ورشة عمل لا تنتهي في المطبخ. إن قضاء الساعات الطوال في تحضير أصناف الطعام وتزيين الموائد، يوحي وكأن الإفطار هو الغاية القصوى من الصيام. والحقيقة التي يجب أن تستقر في الأذهان هي أن الإفطار ليس إلا نهاية للصيام، وليس هدفاً له.
إن المبالغة في إعداد الموائد تستهلك طاقة المؤمن ووقتاً كان أولى به أن يُصرف في الذكر والتدبر. إن الجسد الذي نجوعه بالنهار، لا ينبغي أن نثقله بالليل حتى التخمة، لأن حكمة الصيام تكمن في كسر الشهوة وتدريب النفس على القناعة، لا في تعويض ما فات بوجبات دسمة تذهب بالخشوع وتجلب الكسل.
التراويح: بين حلاوة الصوت وخشوع القلب
نشهد في رمضان إقبالاً محموداً على صلاة التراويح، وهذا مظهر من مظاهر الإيمان. ولكن، هل سألنا أنفسنا يوماً: ما هو معيار النجاح في هذه الصلاة؟ هل هو ختم جزء كامل يومياً؟ أم هو البحث عن القارئ صاحب الصوت الرخيم فقط؟
إن الإنجاز الحقيقي في التراويح لا يقاس بعدد الصفوف المزدحمة ولا بسرعة القراءة، بل بمقدار ما لامسته الآيات من شغاف قلوبنا. ليس المهم أن يمر لسان القارئ على حروف القرآن، بل المهم أن تمر معاني القرآن على عقولنا وقلوبنا. إن الركعات القليلة بخشوع وتدبر، خير عند الله من قيام طويل يغيب فيه العقل ويلهو فيه القلب. إن الهدف هو “القيام الخاشع” الذي يغير في سلوكنا ويقربنا من خالقنا، وليس مجرد الحضور البدني في المساجد.
تلاوة القرآن: من اللسان إلى القلب
يتنافس المسلمون في رمضان على ختم المصحف الشريف مرات عديدة، وهذا أمر طيب في أصله. لكن المأساة تكمن في تحول هذه العبادة إلى سباق رقمي بحت. إن تلقف حروف القرآن من المصحف إلى اللسان مباشرة، دون أن تعبر على العقل ليفهمها، أو على القلب ليتدبر بها، هو حرمان عظيم من بركات هذا الكتاب.
إن القرآن الكريم نزل ليكون منهج حياة، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ}. فإذا غاب التدبر، غابت البركة. إن ختمة واحدة بتأمل ووقوف عند الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والقصص والعبر، أجدى بكثير من ختمات سريعة لا تترك أثراً في الأخلاق ولا تغييراً في النفوس.
فخ التفاخر والولائم العائلية
لقد تحول رمضان في كثير من الأوساط إلى ساحة للتفاخر الاجتماعي من خلال الولائم والعزائم. تجد الأسر تتسابق في رد الوليمة بأفضل منها، وتتحول هذه العبادة (صلة الرحم) إلى عبء مادي ونفسي، وسباق نحو الرياء والمباهاة.
إن الكرم صفة المؤمن، وصلة الرحم واجبة، ولكن عندما يصبح الهدف هو “التفاخر” والتباهي بأنواع الأطعمة، نكون قد خرجنا من دائرة العبادة إلى دائرة المعصية والتبذير. رمضان شهر التواضع والمواساة، شهر يشعر فيه الغني بحال الفقير، فكيف يستقيم هذا مع موائد باذخة يُرمى نصفها في النفايات؟
العمل والإنتاجية: تحطيم أسطورة الكسل
من المفاهيم الخاطئة والخطيرة أن رمضان شهر للراحة والكسل والتقليل من ساعات العمل. يظن البعض أن الصيام مبرر للتقاعس أو سوء الخلق مع المراجعين والزملاء. والحقيقة أن رمضان هو شهر الجد والاجتهاد.
إن الوقت الذي كنا نقضيه في الوجبات اليومية (الإفطار والغداء)، يجب أن يُستثمر في زيادة كفاءة العمل وإتقانه. الصيام عبادة تمنح النفس قوة وانضباطاً، وهذا الانضباط يجب أن ينعكس على أدائنا الوظيفي. إن العمل عبادة، وإتقانه في رمضان هو جزء من صيامنا، فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف الكسول.
الرشاقة الروحية والجسدية
من المفارقات العجيبة أن يخرج المسلم من شهر الصيام وهو أكثر وزناً مما دخل فيه! إن هذا دليل قاطع على خلل في فهم المقصد من الصوم. رمضان هو شهر تخفيف الطعام، لإفساح المجال لتكثير الفكر والذكر.
إن الصيام الحقيقي يؤدي إلى صفاء الذهن وخفة الجسد، مما يعين على القيام والعبادة. عندما نثقل أجسادنا بالطعام، فإننا نكبل أرواحنا عن التحليق في آفاق الملكوت. الهدف هو أن نخرج من رمضان بقلوب أزكى، وأرواح أنقى، وأجساد أصح، لا ببطون أضخم.
رمضان: شاحن بطارية التقوى
إن الغاية الكبرى التي لخصها القرآن الكريم للصيام هي “التقوى”. قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
رمضان ليس مجرد شهر عابر، بل هو دورة تدريبية مكثفة على ممارسة التقوى في كل شؤون الحياة. التقوى هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. إنها الرقابة الذاتية التي تجعل المسلم يترك الطعام والشراب وهو في خلوته، طاعة لله وحده. وهذه الرقابة هي التي يجب أن تستمر معنا طوال العام في بيعنا، وشرائنا، وعلاقاتنا، وأعمالنا.
إننا في رمضان نشحن “بطارية التقوى” لتكفينا طوال العام. فإذا خرجنا من رمضان ولم نتغير، ولم تزدد خشيتنا لله، فكأننا لم نصم إلا صيام العادة لا صيام العبادة.
عبادة تتخلل الحياة
ما يميز الصيام عن غيره من العبادات أنه عبادة “سلبية” بمعنى الكف والامتناع، وهو بذلك لا يشغلنا عن ممارسة حياتنا الطبيعية. إن الصيام يتخلل أعمالنا اليومية، فيفعمها بخشوع عبادة الله. أنت تصوم وأنت تعمل، وأنت تصوم وأنت تدرس، وأنت تصوم وأنت تقضي حوائج أهلك.
هذا التداخل يعلمنا درساً بليغاً: أن العبادة ليست محصورة في المسجد أو في سجادة الصلاة، بل هي منهج حياة كامل. إن الصيام يدربنا على أن نكون في عبادة مستمرة، تماماً كما يتخلل الهواء رئتينا والدماء عروقنا. إنها ممارسة عملية لقوله تعالى:
{قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام: 162-163].
الخاتمة: رمضان الذي نريد
إن رمضان الذي نريده هو ذلك الذي يغير فينا القناعات قبل العادات. هو الشهر الذي نخرج منه وقد تحررت نفوسنا من عبودية الشهوة، وعقولنا من أسر الغفلة.
ليكن شعارنا في هذا العام: “صيام قلب لا صيام بطن فقط”. لنقلل من ضجيج الموائد، ولنرفع من صوت التدبر والخشوع. لنجعل من صيامنا مدرسة للأخلاق، وميداناً للسبق نحو الله بالعمل الصالح والإخلاص. فرب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب. نسأل الله أن يجعلنا ممن صام رمضان إيماناً واحتساباً، وممن أدرك جوهر الصيام فنال أرفع الدرجات.
والله أعلم.

اترك تعليقاً