قصة مدفع رمضان “الحاجة فاطمة”: من ميادين الحروب إلى أيقونة الطقوس الروحية

قصة مدفع رمضان “الحاجة فاطمة”: من ميادين الحروب إلى أيقونة الطقوس الروحية

صوت الوجدان: مدفع رمضان الذي لا يغيب

في ذاكرة المصريين، كما في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، يطل شهر رمضان محملاً بعبق الماضي ودفء البيوت القديمة. وبينما يشق صوت المسحراتي سكون الليل، يبرز صوت آخر يمتلك هيبة خاصة وحضوراً لا يمحى: إنه دويّ “مدفع رمضان”. لم يكن هذا الصوت يوماً مجرد إشارة زمنية تخبر الصائمين بانقضاء ساعات الجوع، بل تحول إلى لحظة روحية جامعة، تختلط فيها رهبة الانتظار بفرحة اللقاء، وتتعانق فيها الأرض مع السماء عند انطلاق أذان المغرب.

قبل عصر الساعات الرقمية والهواتف الذكية، كان الناس يضبطون إيقاع حياتهم على أصوات حية تنبع من قلب المآذن والميادين؛ أصوات ارتبطت بالروح قبل أن ترتبط بالوقت. وقد اتخذ المصريون من مدفع الإفطار رفيقاً دائماً، وسرعان ما انتقلت هذه العدوى الروحية إلى معظم الحواضر العربية والإسلامية التي اعتمدت عليه لإعلان موعد الإفطار والإمساك.

جذور التنبيه: من أذان بلال إلى طبول القلاع

لم يكن المدفع هو الوسيلة الأولى؛ فقد سبقه الأذان الذي مثّل الوسيلة الشرعية والروحية الأولى لتنبيه المسلمين. ويشير الباحث في التراث الإسلامي، أحمد المنزلاوي، إلى أن تنظيم وقت الصيام بدأ منذ عهد النبوة، حيث كان بلال بن رباح يؤذن قبل الفجر لتنبيه الناس، بينما يؤذن عبد الله بن أم مكتوم للإمساك. ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية في العصور الأموية والعباسية والمملوكية، ظهرت وسائل مساعدة لضمان وصول التنبيه إلى أطراف المدن المترامية.

استُخدمت الطبول و”النقّارات” في القلاع والساحات العامة، وتحولت الحصون العسكرية إلى مراكز بث صوتي يُسمع في أرجاء المدينة. كما برزت شخصية “المسحراتي” في العصر الفاطمي بمصر لتضفي طابعاً احتفالياً واجتماعياً فريداً. ولم تقتصر الوسائل على الصوت فقط، بل عرفت المدن وسائل بصرية مثل إيقاد المشاعل والفوانيس فوق المآذن العالية، خاصة في المدن الساحلية، لضمان رؤيتها من مسافات بعيدة.

أسطورة “الحاجة فاطمة”: صدفة صنعت تاريخاً

يُعرف مدفع رمضان في مصر بلقب حميم هو “مدفع الحاجة فاطمة”. هذا الاسم الذي يبدو شعبياً وبسيطاً، يخفي وراءه تاريخاً عسكرياً حافلاً؛ إذ شارك هذا المدفع في حروب كبرى، منها حرب القرم ضد روسيا، وحملات في المكسيك والحبشة. لكن، كيف انتقل من ساحات القتال إلى ميادين الروح؟

تتعدد الروايات حول بداية هذا التقليد، وأشهرها تعود إلى عصر المماليك البرجية تحت حكم السلطان “خوشقدم” عام 1461. يُقال إن السلطان أراد تجربة مدفع جديد عند الغروب، وتصادف ذلك مع موعد الإفطار، فظن الناس أنه تقليد جديد. وعندما توقف في اليوم التالي، طالبت الجماهير بعودته، فتوسطت زوجته “الحاجة فاطمة” لدى السلطان لاستمرار إطلاقه، ومن هنا ارتبط المدفع باسمها تخليداً لذكراها.

روايات أخرى تنسب الفضل لمؤسس مصر الحديثة “محمد علي باشا” في عام 1805، أو للخديوي إسماعيل، حيث يقال إن ابنت الأميرة فاطمة هي من أمرت باستمرار التقليد بعد إطلاق قذيفة عن طريق الخطأ أثناء صيانة أحد المدافع في رمضان.

رحلة المدفع عبر القارات والحدود

انطلق التقليد من القاهرة ليغزو العواصم الإسلامية. وصل إلى دمشق والقدس، ومنهما إلى إسطنبول ودول البلقان. وفي أواخر القرن التاسع عشر، سمع أهل بغداد دوي المدفع، وتبعه أهل الكويت عام 1907. ومع دخول السعودية للمدينتين المقدستين في عشرينيات القرن الماضي، أصبح المدفع جزءاً أصيلاً من مشهد الحرمين الشريفين. كما امتد الأثر إلى الإمارات العربية المتحدة في الخمسينيات والستينيات، وصولاً إلى إندونيسيا وشرق آسيا وغرب أفريقيا.

وثقت الكتابات الأوروبية هذا التقليد منذ منتصف القرن التاسع عشر، حيث وصف الرحالة والمؤرخون كيف كان دوي المدفع فوق مضيق البوسفور في إسطنبول يغير إيقاع المدينة بالكامل، محولاً الصمت إلى حركة اجتماعية نابضة بالحياة.

من الأثير إلى الرقمنة: تحديات العصر الحديث

مع تأسيس الإذاعة المصرية عام 1934 والتلفزيون عام 1960، انتقل مدفع رمضان من المحيط الجغرافي للقلعة إلى كل بيت عبر الأثير والشاشات. ورغم توقفه ميدانياً في فترات الحروب أو لدواعي الحفاظ على الآثار التاريخية في منطقة القلعة، إلا أن تسجيله الصوتي ظل مقدساً في الإعلام العربي.

اليوم، وفي القرن الحادي والعشرين، لم تستطع التطبيقات الذكية والساعات الإلكترونية إزاحة المدفع من عرشه الرمزي. فالمسألة لم تعد تتعلق بمعرفة الوقت بقدر ما هي مسألة هوية وذاكرة. حتى في الفضاء الخارجي، واجه العلماء تحديات تحديد المواقيت لرواد الفضاء المسلمين، كما حدث مع رائد الفضاء الماليزي الشيخ مظفر شكور، مما استدعى فتاوى متطورة تجمع بين العلم والدين.

خاتمة: المعنى وراء الدويّ

من صوت الصحابي بلال في أزقة المدينة المنورة، إلى دوي مدفع الحاجة فاطمة في قلعة صلاح الدين، وصولاً إلى إشعارات الهواتف الذكية؛ تتغير الوسائل ويبقى المعنى ثابتاً. إن مدفع رمضان سيظل رمزاً لفرحة جماعية تتجاوز الحدود الجغرافية والزمنية، فهو صوت لا تعلنه الساعات وحده، بل تعلنه القلوب التي تنتظر لحظة اللقاء الروحي في كل عام.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *