“نفايات الذكاء الاصطناعي” تغرق الإنترنت: صراع البقاء بين المحتوى البشري و”تسونامي” التزييف الآلي

“نفايات الذكاء الاصطناعي” تغرق الإنترنت: صراع البقاء بين المحتوى البشري و”تسونامي” التزييف الآلي

صراع الواقع ضد الخيال: تجربة روزانا بانسينو

لسنا أمام مجرد صور باهتة، بل أمام تحدٍ وجودي للمحتوى البشري. روزانا بانسينو، صانعة المحتوى الشهيرة في مجال الخبز والحلويات، قررت أن تشن حرباً من نوع خاص ضد ما يسمى بـ “AI Slop” أو “نفايات الذكاء الاصطناعي”. فبعد سنوات من مشاركة وصفاتها المبدعة، وجدت بانسينو أن خلاصات حساباتها الاجتماعية لم تعد تعرض أعمال أصدقائها أو المبدعين الحقيقيين، بل امتلأت بمقاطع فيديو مولدة آلياً تفتقر للمنطق، مثل تلك التي تعرض أشياء غريبة تُدهن على الخبز بشكل “مريح للأعصاب” لكنه مستحيل واقعياً.

لم تكتفِ بانسينو بالمشاهدة، بل قررت محاكاة هذه الفيديوهات الآلية في الواقع لإثبات تفوق الجهد البشري. في إحدى تجاربها، أعادت صنع “خواتم الخوخ الهلامية” التي ظهرت في فيديو ذكاء اصطناعي وهي تُدهن بسهولة على الخبز. تطلب الأمر منها استخدام الزبدة الممزوجة بنكهة الخوخ، واستخدام قوالب سيليكون وتجميدها، ثم غمسها في السكر وحمض الستريك لتحقيق المظهر المطلوب. نجحت بانسينو في تقديم نسخة واقعية صالحة للأكل، مؤكدة أن الإبداع البشري يتطلب جهداً وتفاصيل لا يمكن للآلة استيعابها.

ما هي “نفايات الذكاء الاصطناعي” (AI Slop) ولماذا تغزو عالمنا؟

مصطلح “AI Slop” يُطلق على المحتوى المنخفض الجودة المولد بواسطة الذكاء الاصطناعي، سواء كان نصوصاً أو صوراً أو فيديوهات، والذي يملأ محركات البحث ومنصات التواصل. هو تقليد رخيص للمحتوى الحقيقي، غالباً ما يكون مليئاً بالأخطاء، مثل الأبحاث العلمية التي تستشهد بمصادر وهمية، أو الصور التي تظهر فيها الأجسام بلمعة بلاستيكية غير واقعية وتتحدى قوانين الفيزياء.

تشير دراسة حديثة لـ CNET إلى أن 94% من البالغين في الولايات المتحدة يعتقدون أنهم يشاهدون محتوى مولداً بالذكاء الاصطناعي أثناء التصفح، بينما وجد 11% فقط منهم أن هذا المحتوى مفيد أو ممتع. وتكمن المشكلة في أن أدوات مثل Sora من OpenAI و Gemini من Google جعلت إنشاء هذا المحتوى أرخص وأسرع من أي وقت مضى، مما أدى إلى فيضان رقمي يهدد بإغراق أعمال المبدعين والكتاب الحقيقيين.

جيش المقاومة: كيف يحارب البشر لتنظيف الإنترنت؟

يصف الخبراء “نفايات الذكاء الاصطناعي” بأنها تشبه تسرباً نفطياً في محيطاتنا الرقمية، لكن هناك جهوداً حثيثة للتنظيف. يعمل المطورون على تحسين تقنيات “العلامات المائية” (Watermarking) وتطوير إطار عمل C2PA لتمييز المحتوى الاصطناعي. على سبيل المثال، طور فريق في جامعة كورنيل تقنية تسمى “الإضاءة المشفرة بالضجيج”، والتي تضع علامة مائية غير مرئية في الضوء المحيط بمكان التصوير، مما يجعل من الصعب جداً تزييف الفيديو لاحقاً.

في المجال الأكاديمي، يواجه موقع arXiv (قاعدة بيانات الأبحاث) زيادة مقلقة في الأوراق البحثية المولدة آلياً، والتي يصفها المدير العلمي ستين سيجوردسون بأنها “مجرد ضجيج يضعف جسد العلم”. وللمواجهة، تم تطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي نفسه لكشف الأنماط المتكررة في النصوص الآلية، مما يخلق سباق تسلح تكنولوجي بين صناع الزيف وكاشفيه.

صراع المصالح: هل المنصات التقنية جزء من المشكلة؟

تكمن المعضلة في أن الشركات التي تدير حياتنا الرقمية هي نفسها التي تبني أدوات الذكاء الاصطناعي. Meta دمجت ذكاءها الاصطناعي في Instagram، وGoogle فعلت الشيء نفسه مع محرك بحثها. يقول جيريمي كاراسكو، وهو صانع محتوى متخصص في كشف التزييف الآلي: “لا يمكن فصل المنصات عن صانعي الذكاء الاصطناعي، ولا أثق في أن لديهم البوصلة الأخلاقية الصحيحة للحد من هذه النفايات”.

في المقابل، تظهر بدائل مثل تطبيق DiVine، الذي يسوق لنفسه كمنصة خالية من الذكاء الاصطناعي، حيث يتم التحقق من أن كل مقطع فيديو مرفوع هو من إنتاج بشري حقيقي، في محاولة لاستعادة الثقة التي فُقدت في المنصات الكبرى.

المخاطر السياسية والاجتماعية: من التضليل إلى التحرش

لا تتوقف أضرار هذه النفايات عند حد المحتوى السخيف، بل تمتد إلى “البروباغندا الآلية” (Slopaganda). أظهرت دراسة من جامعة ستانفورد أن 94% من الأشخاص لا يستطيعون التمييز بين الرسائل السياسية المكتوبة بواسطة البشر وتلك المولدة آلياً، والتي تبين أنها تمتلك نفس القدرة على الإقناع.

والأخطر من ذلك هو استخدام هذه التقنيات في التحرش والابتزاز. تشير التقارير إلى أن أداة Grok من xAI تم استخدامها لإنشاء ملايين الصور الجنسية غير الرضائية في غضون أيام قليلة. ورغم وجود قوانين مثل قانون “Take It Down” لعام 2025، إلا أن آليات التنفيذ لا تزال ضعيفة، مما يترك الضحايا في مواجهة طوفان من الانتهاكات الآلية.

الخلاصة: هل نعيش في “إنترنت ميت”؟

إذا استمر هذا الطوفان من المحتوى الآلي، فقد نصل إلى ما يسمى بـ “نظرية الإنترنت الميت”، حيث تتفاعل وكلاء الذكاء الاصطناعي مع بعضها البعض، مما يعطي وهماً بالنشاط البشري بينما يغيب الإنسان تماماً. إن المعركة ضد “نفايات الذكاء الاصطناعي” هي في جوهرها معركة للحفاظ على إنسانية الإنترنت، وضمان أن تظل الشبكة مكاناً للتواصل الحقيقي وليس مجرد خوارزميات تغذي خوارزميات أخرى.

المصدر: CNET

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *