رمضان شهر الانتصارات: كيف تغلب نفسك وتدرك أسرار العشر الأواخر؟

# رمضان.. مدرسة النصر وميدان المجاهدة والاستباق

إنَّ مَن استنار قلبه بنور الإيمان، وعَلِم حقارةَ الدنيا وسُرعةَ فنائها وزوالها، لم يأسفْ على ما فاتَه من حطامها الفاني، ومَن أدرك حقيقةَ الآخرة وبقاءَ نعيمها المقيم، حَرَص أشدَّ الحرص على ألاَّ يفوته شيءٌ مِن فُرَصها الغالية ومواسمها الكريمة. واليوم، ونحن نرى رمضان وقد تصرّم نِصْفه ومضى جُلّه، فإنَّ الواجب يحتم على كل مسلم أن يقِفَ مع نفسه وقفةَ محاسبة جادَّة وصادقة، يسأل فيها نفسه بلسان الحال والمقال: ماذا قدَّمتُ فيما مضى؟ وعلامَ أنا عازم فيما بقِي؟ وهل وعيتُ الدَّرسَ الرمضانيَّ الكبير فانتصرتُ على نفسي، وقهرتُ شهواتِها، وحطَّمتُ أصنامها المعنوية؟ هل حقَّقتُ العبوديةَ التامَّة لربِّ البرية امتثالاً للأوامر واجتنابًا للنواهي؟

آفة الفتور وخطورة التراخي في خواتيم الشهر

إنَّ المسلِم، وقد مضَى أكثرُ شهرِه المبارك، وقدَّم فيه من الطاعات ما تيسر له، يجب أن يحذرَ أشد الحذر من آفةٍ طالما أصابتِ السالكين، وعطلت سير المشمرين، فجعلت ثمرة عبادتهم ناقصة، وتلك هي آفةُ الفتور بعدَ النشاط، والتراخي بعدَ الجد والاجتهاد. ومن عظيم البلاء أنَّ هذه الآفة لا تصيب صاحبَها غالباً إلا في خِتام الشهر، وفي ليالي العشر الأواخر التي هي زبدة الشهر وتاجه، فبدلاً من الازدياد والتزود بعدَ التعود، تخور القُوى، وتفتر العزائم، ويَظهر الكلال، ويدبُّ إلى النفوس الملال، وما هكذا ينبغي أن يكونَ المؤمن الفطن.

إن المؤمن مطالب بالثبات والمصابرة، كيف وقد قال الله تعالى في محكم التنزيل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]. فطريقُ الفلاح محفوف بالمكاره، وفيه مِن الطول ما يختبر الصادقين، ويَعتري سالكَه من التعبِ ما يعتريه، ولكنَّ العاقبة للمتقين. ومَن استهوتْه الأعراض القريبة والراحة الزائلة، تقاصرتْ هِمَّته عن اللحاق بركب الناجين، لذا كان لا بدَّ من المصابرة والمرابطة، وإتْقان العمل، وبذْل الجهد في التقوى؛ لعلَّ الفلاح أن يكونَ مسك الختام، ولعلَّ الرب الكريم يرزق عبده من مَعِيَّته ما يتقوَّى به على طاعته؛ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128]، وقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت: 69].

رمضان.. تاريخٌ مجيد من الفتوحات والانتصارات

لم يكن رمضانُ يوماً في تاريخ أمتنا شهرَ كسلٍ أو خمول، ولا مَوْسم بطالة أو استرخاء، بل كان دائماً شهر العمل والإقدام. فيه ولد الإسلام، وفيه أشرق نوره حين بعث الله محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق ليخرج الناس من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان. ويشهد التاريخ الإسلامي أنَّ أعظم المعارك الفاصِلة والفتوح الكبرى التي غيّرت وجه التاريخ وقعت في هذا الشهر الكريم:

1. يوم الفرقان (غزوة بدر الكبرى): في رمضان التقى الجمعان، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، حيث هزم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً من الموحدين جيش المشركين الذي قارب الألف؛ ليعلم العالم أن النصر من عند الله، وأنه ثمرة إخلاص وتوكل.
2. فتح مكة (الفتح الأعظم): في رمضان جاء نصر الله والفتح، ودخل النبي ﷺ مكة فاتحاً، فتهاوت أصنام الشرك، وطُهر البيت الحرام من الرجس، وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً.
3. غزوة تبوك: التي عاد منها المسلمون في رمضان بعد مواقف بذل مشهودة، حيث تجلت فيها معاني التضحية والصدق.
4. فتح الأندلس: ذلك الفتح الذي أقام حضارة الإسلام في تلك البلاد لأكثر من ثمانية قرون.
5. فتح عمورية: استجابة لصرخة امرأة مسلمة، وتحركت فيه جيوش المسلمين في رمضان لرد الظلم.
6. معركة عين جالوت: التي كسر فيها المسلمون شوكة التتار وحموا العالم الإسلامي من دمار محقق.

لقد كان رمضان مِفتاحَ مجْدٍ، فيه أذلَّ الله الجبابرة، وهُدمت فيه رؤوس الأصنام؛ فقد هدم خالد بن الوليد “العُزَّى”، وهدم عمرو بن العاص “سُواعاً”، وهدم سعد بن زيد “منافاً”. وكل هذه الانتصارات المادية ما كانت لتتحقق لولا الانتصار الأول والأكبر: الانتصار على النفس.

معركة النفس.. حجر الزاوية في تحقيق النصر

إنَّ هذه الانتصارات التاريخية تحمل دروساً بليغة للأجيال؛ لتوقن أن شهرها هو شهر جِدّ وعطاء، لا شهر نكوص وهزيمة. النصر الحقيقي يبدأ من الداخل، بانتصار العبد على هوى نفسه، وداعي شهوته، وعاداته الشخصية، وضغوط الإعلام المضلل، والمشاهد الفاتنة. إن رمضان فرصة للمؤمن ليعلن اعتزازه بعقيدته، وليعلق قلبه بمولاه وحده.

يقول الله تعالى: {إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]. ونصر الله يكون بتقديم ما يحبه ويرضاه على ما تشتهيه الأنفس. فكيف يرجو النصر أمة تنهزم أمام مسلسل أو أغنية أو سويعات من النوم؟ إن الهزيمة أمام الشهوات هي المقدمة للهزيمة أمام الأعداء. لذا، حطموا الأصنام التي في الصدور، وانتصروا على شياطين الإنس والجن، وحققوا الاستسلام التام لله ظاهراً وباطناً، فمن أهانه الله بالمعصية فما له من مكرم؛ {وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج: 18].

شد المئزر.. سُنّة النبي في العشر الأواخر

أيها المسلمون، لقد صمتم أياماً معدودات، وقُمتم ليالي نَيِّرات، وذهب الكثير ولم يبق إلا القليل، وإنما الأعمال بخواتيمها. كان سلفكم الصالح يجتهدون في إتمام العمل وإتقانه، ثم يلحون على الله في قبوله. وإن من أعظم مواطن الإحسان في الخواتيم هي العشر الأواخر، التي كان النبي ﷺ يجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله”. لقد كان يخلط العشرين الأولى بصلاة ونوم، فإذا دخلت العشر شمّر وتفرغ تماماً للعبادة، واعتكف في المسجد لقطع العلائق بالخلائق، طلباً لليلة القدر، تلك الليلة التي هي خير من ألف شهر.

وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخُدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إنِّي اعتكفتُ العشرَ الأُول ألْتمِس هذه الليلة، ثم اعتكفتُ العشر الأوسط، ثم أُتيتُ فقيل لي: إنها في العشرِ الأواخر، فمَن أحبَّ منكم أن يعتكِفَ فليعتكف»، فاعتكف الناسُ معه. وقد أرشدنا ﷺ إلى تحريها في الأوتار من العشر الأواخر، فقال: «تحروا ليلةَ القَدْر في الوتْر مِن العشْر الأواخِر من رمضان» [رواه البخاري].

خاتمة.. نداء للمشمرين

فاتقوا الله أيها المسلمون، وقدّموا لأنفسكم خيراً تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً. لا تتركوا الفتور يسرق منكم ثمرة صيامكم، ولا تجعلوا العادات تغلب العبادات. اجعلوا من هذه الليالي الباقية منطلقاً لنصر جديد على النفس، وتوبة صادقة تمحو ما مضى، وعزيمة لا تلين حتى يكتبكم الله من عتقائه من النار.

تذكروا قول الله تعالى: {يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر: 39-40].

اللهم اجعلنا ممن يدركون ليلة القدر، وممن ينتصرون على أنفسهم فيرضون ربهم، والحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *