التكافل المالي في الإسلام: هل في المال حق سوى الزكاة؟

مقدمة: الغفلة عن الدار الآخرة وحقيقة الاستخلاف

إن الناظر بتأمل في أحوال كثير من المسلمين اليوم ليكاد يجزم أنهم يعيشون لدنياهم فقط، وكأن الآخرة وأهوالها، والجنة ونعيمها، والنار وعذابها المقيم، أحلام ليست واقعاً سننتهي إليه ولا محالة. إن هذه الغفلة المستحكمة هي السبب الحقيقي وراء قعودنا عن كثير من أعمال الطاعات التي هي في مقدورنا دون كبير كلفة أو بالغ مشقة. لقد استغرقنا في تأمين مستقبلنا الدنيوي الزائل، ونسينا أننا مستخلفون في هذا المال، وأن العاقل هو من يشيد مستقبله السرمدي في جنات النعيم.

لماذا نرى هذا الفتور في البذل؟ ولماذا نتردد في تقديم القليل لما هو عند الله عظيم؟ إن الإجابة تكمن في ضعف اليقين بما عند الله، وفي الانشغال بتوافه الأمور عن معاليها. إننا بحاجة إلى وقفة صادقة مع النفس لنعيد ترتيب أولوياتنا وفق ميزان الوحي، لا وفق ميزان الهوى والمادة.

التوفير للدعوة: مفهوم غائب في عصر الاستهلاك

هل فكر أحدنا يوماً في مفهوم “التوفير للدعوة”؟ نعم، التوفير للدعوة. ألسنا كلنا اعتدنا التوفير لأمور مادية بحتة قد تكون ليست ذات بال؟ فبعضنا يقتر على نفسه أحياناً ويصنع ما يسمى بترشيد الإنفاق من أجل أن يجمع مبلغاً من المال لشراء سيارة جديدة، وربما لشراء شيء من الأثاث، والكثير يعمل ذلك من أجل أن يشيد بيتاً يؤمن له مستقبله ومستقبل أولاده. ومع هذا، لم نفكر في تشييد بيوتنا في الجنة.

لننظر إلى الواقع العملي: هناك مشاريع تتبناها هيئات خيرية لبناء مساجد في جمهوريات إسلامية كانت تحت وطأة الاتحاد السوفييتي، يكلف بناء المسجد الواحد منها حوالي اثني عشر ألف ريال تقريباً. ألسنا كلنا نعلم أجر بناء المساجد وتعميرها؟ ألسنا نحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بنى مسجداً بنى الله له بيتاً في الجنة»؟ لِمَ لا نفكر في التوفير من أجل بناء هذا البيت؟ لِمَ نبخل على أنفسنا والله عز وجل يقول: {ومَن يَبْخَلْ فَإنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ واللَّهُ الغَنِيُّ وأَنتُمُ الفُقَرَاءُ} [محمد: 38].

إن مبللاً كهذا يمكن توفيره بسهولة لو وُجدت العزيمة الصادقة، ولو قارناه بما ننفقه على تحسين موديلات سياراتنا أو أثاث بيوتنا لوجدناه زهيداً. بل إن الأمر يصل إلى ما هو أيسر من ذلك؛ فتكلفة المصحف الواحد وإيصاله لبلاد نائية لا تتجاوز ثلاثة ريالات، وهي قيمة قطعة حلوى أو مشروب غازي. ألا نستطيع الامتناع عن هذه الكماليات بضعة أيام لنشتري مصحفاً يكون لنا صدقة جارية؟

التكافل المالي: نظام إسلامي فريد لسد الحاجات

لقد شرع الإسلام التكافل المالي بين المسلمين كأداة للمواساة والترابط وسد الحاجات. وفي الحديث الذي رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: “بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يميناً وشمالاً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له». فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل”.

هذه الصورة الرائعة توضح أن المجتمع المسلم جسد واحد، فإذا وجدت طوائف بلغت من الفقر حداً لا تطيق معه تلبية حاجاتها الأساسية، وجب على أصحاب الفضل من الأموال أن يخرجوا من أموالهم -ولو من غير الزكاة- ما يسد هذه الخلة. إننا نعيش اليوم أحوال ضرورة توجب علينا ما لا يجب في الأحوال العادية، فكثير من المسلمين يموتون جوعاً أو عطشاً، وآخرون يتعرضون لفتنة في دينهم بسبب الفقر، والحفاظ على مهجة المسلم ودينه من أوجب الواجبات.

هل في المال حق سوى الزكاة؟ فقه الضرورة والمواساة

لقد اختلف العلماء في مسألة “هل في المال حق سوى الزكاة؟”، ولكن عند تحرير محل النزاع نجد قدراً مشتركاً متفقاً عليه. فقد اتفقوا على وجوب نفقة الزوجة والأولاد، واتفقوا على وجوب إطعام المشرف على الهلاك جوعاً ولو من غير الزكاة. إن محل الخلاف هو في إيجاب حق دوري مقدر، أما في حالات الضرورة العارضة، فإن الوجوب لا مرية فيه.

يقول الجصاص الحنفي: “إن المفروض إخراجه هو الزكاة المفروضة إلا أنه تحدث أمور توجب المواساة والإعطاء، نحو الجائع المضطر، والعاري المضطر، أو ميت ليس له من يكفنه أو يواريه”. ويؤكد ابن العربي المالكي هذا الإجماع بقوله: “وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة ونزلت بعد ذلك حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء”.

إن القواعد الكلية للشريعة التي جاءت لحفظ الضروريات الخمس (الدين، النفس، العرض، العقل، المال) تحتم تقديم حفظ النفس والدين على فضول أموال الأغنياء. فمفسدة هلاك النفس أو ارتداد المسلم عن دينه أعظم بكثير من مفسدة أخذ فضل مال الغني.

أدلة من السنة النبوية على وجوب المواساة

لقد زخرت السنة النبوية بنماذج تطبيقية لهذا التكافل:

1. قصة الأشعريين: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية، فهم مني وأنا منهم» (رواه البخاري ومسلم). وهذا ثناء نبوي على مبدأ المساواة في القوت عند الأزمات.
2. موقف أبي عبيدة بن الجراح: في إحدى الغزوات فني زاد ثلاثمائة من الصحابة، فأمرهم أبو عبيدة فجمعوا أزوادهم وقسمها بينهم بالسوية، وقد اعتبر ابن حزم هذا إجماعاً مقطوعاً به من الصحابة.
3. أصحاب الصفة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث من عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث، ومن عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس، مواساةً لفقراء المهاجرين.
4. وفد مضر: عندما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قوماً عليهم آثار الفاقة، تمعر وجهه وتغير حاله حزناً عليهم، ولم يهدأ حتى تصدق الناس وسدوا حاجتهم، مما يدل على كراهية وجود مضطرين في مجتمع فيه فضول أموال.

عام الرمادة: مدرسة عمر بن الخطاب في إدارة الأزمات

كان عام الرمادة اختباراً حقيقياً لمقدرة النظام الإسلامي على تجاوز الأزمات. لقد قدم الفاروق عمر رضي الله عنه مواقف تعكس عظمة هذا الدين، حيث حرم على نفسه اللحم حتى يأكله الناس، وكتب لعمرو بن العاص مستغيثاً: “أفتراني هالكاً ومن قبلي، وتعيش أنت ومن قبلك؟ فيا غوثا”.

ومن أقواله الخالدة: “لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا على أنصاف بطونهم”. وقال أيضاً: “لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت فضول أموال الأغنياء فقسمتها على فقراء المهاجرين”. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: “إن الله تعالى فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا أو عروا وجهدوا فبمنع الأغنياء”.

أقوال أئمة المذاهب في حق الفقراء عند الضرورة

لقد بحث الفقهاء هذه المسألة بدقة متناهية:

  • عند المالكية: قرر الإمام مالك وجوب فداء الأسرى على كافة المسلمين وإن استغرق ذلك جميع أموالهم، وأوجب على الأغنياء إغناء الفقراء إذا لم تفِ الزكاة بذلك.
  • عند الشافعية: ذكر في “مغني المحتاج” وجوب إطعام المضطر المعصوم على من عنده فضل طعام، ولو احتاج إليه المالك مستقبلاً، فللمضطر قهره على أخذه.
  • عند الحنابلة: أكد ابن قدامة في “المغني” أنه إذا اضطر إنسان لطعام غيره، لزم صاحبه بذله، فإن امتنع فللمضطر قتاله عليه، وإن قُتل المضطر فهو شهيد، وإن قُتل المانع فهو هدر لأنه ظالم.
  • رأي ابن حزم: كان من أشد المدافعين عن هذا الحق، حيث أوجب على الأغنياء في كل بلد القيام بفقرائهم ويجبرهم السلطان على ذلك.
  • رأي شيخ الإسلام ابن تيمية: أوجب بذل الماعون (الدلو، الفأس، القدر) مجاناً عند الحاجة، وأوجب إسكان من لا سكن له عند الضرورة.

تنبيهات هامة: الإسلام والشيوعية

قد يتوهم البعض أن هذا النظام يشبه الشيوعية أو الاشتراكية، وشتان ما بين الثرى والثريا. فالشيوعية تقوم على إلغاء الملكية الفردية تماماً والمساواة الجبرية، وهي تصادم الفطرة. أما الإسلام، فيقر الملكية الفردية ويحميها، لكنه يضبطها بمسؤولية اجتماعية تمنع هلاك المحتاجين. الإسلام يقر بوجود الفوارق الطبقية كطبيعة بشرية: {ورَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32]، لكنه لا يقبل بوجود جائع بجانب واجد.

كما يجب التنبيه إلى أن هذا الواجب ليس محصوراً في أصحاب الملايين فقط، بل هو منوط بكل من ملك “فضلاً” عن حاجته الأساسية، كما دلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.

خاتمة: نداء إلى الضمير الإسلامي

أيها المسلمون، ويا أيها الدعاة، ألسنا نرى بأم أعيننا ونسمع بآذاننا عن إخوان لنا في الدين يموتون كل يوم جوعاً، ومرضاً، وخوفاً وتشريداً؟ أفلا نقول لأنفسنا كما قال عمر بن الخطاب: “هل نرى هؤلاء يموتون، ونعيش نحن، بل ونتنعم، ونتلذذ بكل ما لذ وطاب؟”. إننا بحق في حاجة إلى إحياء روح الأخوة الإسلامية كما جاء بها الوحي، ليكون عطاؤنا برهاناً على إيماننا، وزاداً لنا في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *