# ذكرى أليمة في شهر الصيام: سقوط القدس واستباحة دماء المسلمين عام 492هـ
تمر علينا الأيام والشهور، وتتوالى ذكريات التاريخ الإسلامي محملةً بالعبر والدروس، ومن بين تلك الذكريات ما يبعث في النفس الفخر، ومنها ما يدمي القلب أسىً وحزناً. وفي السادس من شهر رمضان المبارك، لعام 492 من هجرة المصطفى ﷺ، تقف الذاكرة الإسلامية عند واحدة من أحلك الصفحات في تاريخنا المجيد، وهي ذكرى سقوط بيت المقدس في يد الحملة الصليبية الأولى، وتنصيب الطاغية “جودفري” حاكماً عليها.
إنها قصة الانكسار الذي تلا الفرقة، والمأساة التي ولدت من رحم النزاع، والدرس الذي يجب ألا ينساه مسلم ما دام في عروقه نبض.
حال الأمة قبيل السقوط: داء الفرقة والشتات
لم يكن سقوط القدس في ذلك العام المشؤوم وليد صدفة أو نتاج قوة خارقة للصليبيين، بل كان نتيجة طبيعية لواقع مرير عاشته الأمة الإسلامية في ذلك الوقت. كانت الخلافة العباسية في بغداد تعاني من الضعف والتمزق، وكان السلاجقة يخوضون صراعات داخلية مريرة على السلطة، بينما كانت الدولة الفاطمية في مصر في حالة من الانحلال والوهن.
هذا التشرذم جعل بلاد الشام لقمة سائغة، حيث انشغل أمراء المدن الإسلامية بمنازعاتهم الجانبية، بل وصل الأمر ببعضهم إلى مهادنة الغزاة نكاية في أخيه المسلم. في هذا الجو المشحون بالخيانة والضعف، انطلقت صرخة البابا “أوربانوس الثاني” في مؤتمر “كليرمونت”، محرضاً ملوك وأمراء أوروبا على غزو المشرق الإسلامي تحت شعار (تحرير بيت المقدس).
زحف الظلام: الحملة الصليبية الأولى
استجابت الجموع الصليبية لنداء البابا، واندفعت جحافلهم نحو بلاد المسلمين، مستغلين غياب القيادة الموحدة. اجتازوا الأناضول، وسقطت نيقية ثم أنطاكية بعد حصار طويل وخيانات داخلية، حتى وصلوا إلى أسوار مدينة القدس في رجب عام 492هـ.
كانت القدس في ذلك الوقت تحت حكم الفاطميين، الذين لم يدركوا حجم الخطر إلا بعد فوات الأوان. حاصر الصليبيون المدينة المقدسة لأكثر من أربعين يوماً، قاوم فيها سكان القدس ببسالة منقطعة النظير، رغم قلة العتاد وخذلان الناصر من الخارج. ومع بزوغ فجر السادس من رمضان، تمكن الصليبيون من إحداث ثغرة في الأسوار الشمالية للمدينة، لتبدأ واحدة من أبشع الجرائم ضد الإنسانية في العصور الوسطى.
يوم النكبة: جودفري واستباحة الدماء المعصومة
دخل القائد الصليبي “جودفري” (Godfrey of Bouillon) مدينة القدس، وهو يحمل شعار “حماية قبر المسيح”، لكن أفعاله كانت بعيدة كل البعد عن أي معنى من معاني الرحمة أو القداسة. بمجرد اقتحام الأسوار، انطلقت يد القتل والنهب في كل زاوية من زوايا المدينة المقدسة.
لم يفرق الغزاة بين رجل وامرأة، ولا بين طفل وشيخ كبير. كانت سيوفهم تحصد الرؤوس في الشوارع والبيوت، حتى تحولت زقاق القدس إلى برك من الدماء. لجأ آلاف المسلمين إلى المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة ظناً منهم أن حرمة المكان قد تحميهم، أو أن الغزاة قد يحترمون دور العبادة، لكن هيهات.
مجزرة المسجد الأقصى: عندما خاضت الخيل في الدماء
يروي المؤرخون الصليبيون أنفسهم، قبل المؤرخين المسلمين، فظاعة ما حدث داخل ساحات المسجد الأقصى. قاد “جودفري” ورجاله حملة تصفية عرقية ودينية شاملة. قُتل أكثر من عشرة آلاف مسلم داخل مسجد قبة الصخرة وحول مسجد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وكان من بين القتلى آلاف الأئمة والعلماء والعباد الذين انقطعوا للعبادة في بيت المقدس.
وصف أحد المؤرخين الصليبيين الذين شهدوا المذبحة مشهداً تقشعر له الأبدان، حيث ذكر أن دماء القتلى كانت غزيرة لدرجة أن من كان يسير في ساحات المسجد كانت قدماه تغوصان حتى العقبين في دماء المذبوحين. لم تكن هناك رحمة للأطفال الذين كانوا يُذبحون أمام أمهاتهم، ولا للنساء اللواتي قُتلن بدم بارد. وبلغ إجمالي عدد القتلى في أسبوع واحد فقط أكثر من 70 ألف قتيل، في حين تشكلت فرق صليبية خاصة مهمتها الوحيدة اقتحام المنازل وإخراج من فيها وقتلهم أو قذفهم من فوق الأسطح والأماكن المرتفعة.
جودفري: تنصيب الطاغية ونهايته
بعد انتهاء المذبحة وتطهير المدينة -بزعمهم- من “الكفرة”، نُصب “جودفري” حاكماً لبيت المقدس. رفض لقب “ملك” في المدينة التي لبس فيها المسيح إكليل الشوك، فاكتفى بلقب “حامي القبر المقدس”. لكن هذا الحكم الذي تأسس على جماجم الأبرياء لم يدم طويلاً.
فقد أذاقه الله وبال أمره، ولم يهنأ بملكه سوى سنة واحدة فقط، حيث هلك مسموماً في عام 493هـ، ليرحل عن الدنيا مثقلاً بدماء الآلاف، تاركاً خلفه مملكة صليبية غريبة في جسد الأمة، بقيت كخنجر مسموم لعقود طويلة.
ثمانية عقود من الصبر والتمحيص
بقيت القدس أسيرة تحت نير الاحتلال الصليبي لمدة 88 سنة. خلال هذه الفترة، تحولت المساجد إلى اصطبلات للخيول ومخازن للغلال، ومُنع الأذان في رحاب الأقصى. كانت هذه السنوات فترة تمحيص شديدة للأمة، حيث بدأ الوعي يستيقظ تدريجياً. ظهرت بوادر الإصلاح مع عماد الدين زنكي، ثم ابنه العادل نور الدين محمود، الذي وضع نصب عينيه هدفاً واحداً: توحيد الأمة قبل تحرير المقدسات.
لقد تعلم المسلمون الدرس القاسي؛ أن النصر لا يأتي مع الفرقة، وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. فبدأت حركة إحياء سنيّة وشاملة، أعادت للأمة هويتها وجمعت كلمتها تحت راية الجهاد الصادق.
الفجر الجديد: صلاح الدين ومعركة حطين
كان صلاح الدين الأيوبي -رحمه الله- هو الثمرة الناضجة لتلك الجهود الإصلاحية. فبعد أن وحد مصر والشام، واستجمع القوى، خاض معركة حطين الخالدة عام 583هـ، التي كسر فيها شوكة الصليبيين وحطم أحلامهم.
لم يدخل صلاح الدين القدس فاتحاً إلا بعد أن تأدب المسلمون بأدب الإسلام، فعامل أهل القدس من النصارى بالرحمة والعدل، في مفارقة تاريخية مذهلة بين أخلاق الفاتحين المسلمين ووحشية الغزاة الصليبيين. عادت القدس إلى حضن الإسلام، وارتفع الأذان مجدداً في مآذنها، ليغسل آلام 88 عاماً من الضياع.
الدروس المستفادة من ذكرى 6 رمضان
إن استحضار ذكرى سقوط القدس في 6 رمضان 492هـ ليس لمجرد البكاء على الأطلال، بل لاستخراج العبر التي تنير لنا الحاضر والمستقبل:
1. خطورة الانقسام: إن العدو لا يقوى إلا بضعفنا، ولا يجرؤ علينا إلا حين نتنازع فيما بيننا. التاريخ يثبت أن سقوط العواصم الكبرى دائماً ما يسبقه سقوط في الأخلاق ووحدة الصف.
2. الابتلاء والتمحيص: قد يبتلي الله الأمة بضياع مقدساتها ليعيدها إلى طريق الحق. فالمحن تحمل في طياتها منحاً إذا أحسنت الأمة التعامل معها.
3. الأمل لا ينقطع: مهما طال ليل الاحتلال، فإن فجر التحرير آتٍ لا محالة. 88 سنة كانت دهراً في عمر الأفراد، لكنها كانت لحظة في عمر الأمم انتهت بعودة الحق لأصحابه.
4. القيادة الربانية: الأمة تحتاج دائماً إلى قادة من طراز نور الدين وصلاح الدين، قادة يجمعون بين العلم والعمل، وبين السياسة والزهد، وبين القوة والرحمة.
خاتمة القول، إن ذكرى السادس من رمضان ستبقى شاهدة على مأساة وقعت حين غفلنا، وعلى نصر تحقق حين عدنا. نسأل الله أن يحفظ بيت المقدس، وأن يعيد للأمة عزتها ووحدتها، وأن يقر أعيننا بنصر قريب.
رحم الله شهداء القدس عبر العصور، وجزى الله الفاتحين خير الجزاء، وجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

اترك تعليقاً